مقال عن الشعر النبطي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وبعد :
لا يخفى الجميع أن الأمة الإسلامية تعيش هذه الأيام حياةً رديئةً لم يُسبق لها مثل ذلك؛ فهذا الهوان، والتفريق، والجهل يضرب بأطنابه في جميع أنحائها، والله المستعان !، في حين كان وراء هذا مخططات أعداء الإسلام التي لم تزل تُحاك بين الحين والحين نحو المسلمين بالكيد والتظليل سواءٌ كان هذا العداء منهم مباشرةً أو بتسريب أفكارٍ مشبوهةٍ، فكان من هذه الأفكار المتسربة إلى عقول الناشئة التي عصفت في بلادنا في السنوات الأخيرة – الدعوة السافرة إلى العامية المتمثلة فيما يسمى بالشعر "النبطي" حيث أُقيمت له الندوات والأمسيات والصحف والمجلات ترويجاً وتقنيناً ... ! . لذا لمَّا رأيت السيل بلغ الزُّبى؛ قمتُ – ولله الحمد – بكتابة هذا المقال الذي ما كان لي أن أكتبه إلاَّ دفاعاً عن ديننا الإسلامي ولغتنا العربية، ونصحاً لإخواني الأفاضل من شباب الصحوة الذين توسَّعوا في نشر الشعر "النبطي" كوسيلةٍ دعويةٍ . إن أخطار الدَّعوة إلى الشعر "النبطي" لم تَعُد من الخفاء بمكان، أو في حاجة إلى التنقيب والتفتيش؛
فهي في الحقيقة دعوةٌ سافرةٌ تحمل في مضامينها زعزعت اللغة العربية، وإفساد اللسان العربي،واجتثاث ما يمكن اجتثاثه ممَّا له صلةٌ بالدِّين الإسلامي من موروثٍ، وفكرٍ، وتأريخٍ . فالدعوة إلى الشعر "النبطي" في حقيقتها مجمعٌ لكلِّ خطأ لُغوي؛ مع ما فيها من أخطاءَ شرعيةٍ لا تقل أهمية من العدوان على اللغة العربية . فمن تلك الأخطار : الأول : الترويج لمخططات أعداء الإسلام الذين لم تقف نواياهم من هدم الإسلام بكلِّ وسيلة كانت؛ لا سيما العدوان على اللغة العربية؛ بغض النظر عن نوايا دعاة "النبطي". فهذا منهم يُعدُّ – في أقل حال – تعاوناً على الإثم والعدوان؛ لأنَّ في الدعوة إلى الشعر "النبطي" نُصرةً، وتعزيزاً لمخططاتهم . * * * الثاني : العدوان على اللغة العربية، وذلك في نشر العاميَّة الملحونة الركيكة والدفاع عنها، وبثِّها بين الناشئة لتزاحم الفصحى كما هو الحال .وفي هذا أيضاً إبعاد الناشئة عن تدبرِ وفَهم كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بحملهم على هجر اللسان العربي الفصيح الذي أُنزل بهما الكتاب والسنة، وهذا مشاهدٌ عند أكثر أبناء الجزيرة، فضلاً عن غيرهم . * * * الثالث : تزوير الحقائق؛ وذلك بغَشِّ الناشئة في قولنا : فلانٌ شاعرٌ "نبطي"، وهذا ديوانُ شعرٍ "نبطي"، إن هي إلا أسماءٌ سميتموها أنتم وأسلافكم ما شهدت العرب بها من سلطان !، فليس لهذه الأوصاف شئٌ من الحقيقة؛ بل كلُّ هذا لا يَمُتُّ بصلةٍ إلى حقيقة الشعر العربي الفصيح بجميع ضوابطه، وشروطه، وأوزانه ... الخ، وأكبر مقتاً من ذلك حينما تتوِّجُ الصحفُ، والندواتُ، والإعلام أشخاصاً بأسماءَ مزورةٍ ما كان لهم أن يسمعوا بها، أو يقربوها فضلاً من أن ينالوها ويُحَلَّوْ بها، وهو وصفهم بالشعراء، والأدباء فإلى الله المشتكى. * * * الرابع : يعدُّ نشرنا للعامية في ثوبها الجديد – الشعر "النبطي" – في الجزيرة وغيرها مصدرَ قلقٍ، وخوفٍ لا على الفصحى فقط؛ لكنَّه مصدرٌ قويٌ لتمزيق الأمة الإسلامية الواحِدَةِ إلى أممٍ بعدد اللَّهجات التي تنشر فيها، وتقسيم الشعب الواحد داخل الدولة الواحدة إلى شعوبٍ، ولهجاتٍ عاميَّةٍ ممَّا سيؤدي هذا - حتماً - إلى الحَميَّةِ للهجات، والنعرات القبلية كما هو ملموسٌ مشاهدٌ في أكثر بلاد المسلمين، وأخشى ما نخشاه أن يحدث ما حدث من قضية "التتريك" المعروفة للجميع، عندما انتصر الأتراك للغتهم وحاولوا فرضها على غيرها فانتصرت الأمم الأخرى للغاتها، وتحركت في نفوس سكان الأقاليم العثمانية الأخرى النعرة والغضب، وشرع كل قوم يدافعون عن لغتهم حتى تفككت الروابط بينهم وانقسمت الدولة إلى دول، ووقعت الأمة الإسلامية في ما أراده لها أعداءها اليوم. * * * الخامس : الدعوة إلى الشعر "النبطي" تبديدٌ وتضييعٌ لأوقات الشباب فكراً، ووقتاً، ومالاً، وجهداً؛ إذ لا فائدة تحته، ولا طائل، وهناك أخطارٌ كثيرةٌ لا تقل خطراً عمَّا ذكرنا؛ لأن في ما ذكرناه غُنيةً وكفايةً لكلِّ مسلمٍ غيورٍ على دينه، ولغته العربية . * * * شُبهُ دُعاةِ "النبطي"، والرَّدِّ عليها ممَّا لاشك فيه أنَّ كلَّ خطأ أو انحرافٍ في الاعتقاد، أو الفكر سببُه شبهٌ وتأويلاتٌ تعتري أصحابها؛ حتى إذا ظنَّوا صحتها قاموا سِراعاً يدافعون عنها !. إلاَّ أنها عند التحقيق والنظر الصحيح تنكشف هذه السحب والجهالات التي يحسبها الظمآن ماءً وهي في حقيقتها سرابُ بقيعةٍ لا تروي غُلَّة، ولا تشفي عِلَّة، فمن هذه الشبهات ما يلي : الأولى : قولهم : إن التراث الشعبي - الشعر "النبطي" - هو الذي يُحدِّدُ هويتنا، ويُمَيِّزُ شخصيتنا، وإن لم نحافظ عليه فسنحتاج إلى تقليد غيرنا، وإن أمجادنا وتاريخنا هو ما يحفظه لنا العامِّي، وإن فيه جذورنا، ومنابع أصالتنا( ) . قلت : لا بدَّ أن يعلم الجميعُ أنَّ منبعَ الأصالة، وجذور الثقافة؛ هو الانتماءُ الكاملُ للمنبعِ الأول الذي وُجدَ في دين الإسلام – من قرآنٍ وسنةٍ وتأريخٍ أصيل -، وأيةُ دعوةٍ لمنبعٍ جديدٍ غير ما ذكر حتماً سيكون منبعاً عكراً ملوثاً لا يقصد به إلا زحزحة الأمة الإسلامية عن أصالتِها، ومنابعها النقية الطاهرة . كما أن هؤلاء لمَّا أعجزهم المنبع الإسلامي الأصيل قاموا يبحثون عن منبعٍ ضيقٍ يليق بقدراتهم الثقافية، وضعفهم العلمي، لذا كان البحث عن منبعٍ دخيل غير المنبع الأصيل إطلاقاً لا يقرِّهُ مسلمٌ صحيح الإيمان؛ إلاَّ من كان يريد بأمة محمد صلى الله عليه وسلم شراً، وبالعرب ارتداداً وانتكاسًا . * * * الثانية : قولهم : إن اللغة العربية محفوظة في القرآن الكريم، كما أنَّ القرآن الكريم قد تكفَّلَ الخالقُ بحفظه بقوله : ( إنَّا نحن نزلنا الذكر وإنَّا له لحافظون ) الآية( ) . قلتُ : إنَّ الحفظَ في الآية غير ما ذهب إليه دعاة "النبطي"، فالحفظ هنا : حفظ القرآن من الزيادة، والنقص، والتحريف، فلا يستطيع أحد زيادة شيءٍ من ذلك أو نقصه، وهذا معنى الحفظ الذي فهمه فقهاءُ المسلمين( )؛ لا ما فهمه دعاة العامية، والشعر "النبطي"! . كما أنه ليس هناك في ظاهر نصوص القرآنِ ضمان بدوام اللغة العربية الفصحى، واستمرارها حيةً يستعملها الناس كافةً إذا أعرض عنها أهلُها، وأحَلَّت كلُّ طائفةٍ منهم لهجتَها العاميَّة محلَّ لغتِها العربية . يوضحه أن اللغة العربية كانت هي اللغة التي تُكتب بها علومُ الدين، ويقرأ بها القرآن، وكانت لغة الفكر والدِّين في جميع الدول الإسلامية، لا سيما البلاد الشرقية - من إيران حتى سدّ الصين - وعندما شعرت تلك الأقاليم المسلمة بالضَّعف، والتَّفكك نشأ عندها شعور بِقَومِيَّتِها وإقليميتها، فاهتم المسلمون في تلك الدّول بلهجاتهم المحلية، وزعموا أنَّ اللغةَ الفصحى لغة القرآن محفوظةً لا خطر عليها، وبدأت تظهر فكرة مدح اللهجات المحلية على استحياء شيئاً فشيئاً، وما لبث أن أصبحت تلك اللَّهجات لغات مستقلة لتلك الأقطار، وبدأ الابتعاد شيئاً فشيئاً عن لغة القرآن؛ وهكذا لم يمر قرنان حتى استقلت الأقاليم الشرقية بلغاتها المحلية وانتهت اللغة العربية من هناك كأنَّ شيئاً لم يكن!. وقد أدرك ابن خلدون - رحمه الله - خطورة بُعد اللِّسان عن استعمال الفصيح من الكلام، فقال : " إن ذلك سبباً بانغلاق القرآن، والحديث على المفهوم "( ) . * * * ذالثالثة : قولهم إن الشعر "النبطي" لا يتخلَّف عن الشعر الفصيح، فهو سليلُه، وفرعٌ من فروعه؛ وفي استطاعة الشاعر العامي أن يأتي بما يطابق الشعر الفصيح وزناً، ومعنىً إذا أراد( ) . قلت : إنَّ أصحاب هذا القول لم يحدِّدوا أوجه الشبه، ولا ضروب الاختلاف، حتى يستطيع الباحث مناقشة أرائهم، أو يتفق معهم .فإنَّ كان المراد اللُّغة : فالاختلاف في لغة كلٍّ منهما كبير جداً . وإن كان المراد طريقة النظم والإنشاد فلكلٍ من هذين الفنَّين أصول ونظم مختلف، وكذلك البناء في كلِّ منهما، والوزن، والبحر، والمفردات، والقافية، وطريقة الإنشاد مختلفة أيضاً، على الرُّغم من أن للشعر "النبطي" وزناً وقافيةً، وللشعر العربي الفصيح وزناً وقافيةً؛ لكن التزام كلٌّ منهما بوزنٍ وقافيةٍ لا يحقق الشَّبه بينهما . يوضحه أنَّ الشعر الفارسي والتركي ينُظمان على أوزان الشعر العربي الفصيح إلى يومنا هذا، ويُصاغان في قالب الشعر العربي باللغة الفارسية واللغة التركية، ولم يزعم أحد أن هذين الشِّعرين في لُغَتَيْه – الفارسية والتركية – فرع من الأدب العربي أو سليلين له على الرُّغم من أنهما ينظمان على قوالبه وأشكاله( ) ! كما أن الشعر "النبطي" لا زالت أوزانه في عالم الغيب لم تُحدَّد، ولم تعرف! إلاَّ أنَّ الأستاذ : عبد الله بن خميس قد قطع الطريق على النبطيين، وكفاهم مؤونة البحث والتنقيب عن أوزرن الشعر "النبطي"؛ لا سيما أنه من أرباب هذا الفن؛ وممَّن اشتغل بتدوين الشعر "النبطي"، ودراسته؛ ممَّا يقضي بإمامته وصواب حكمه حينئذٍ . حيث يقول : " إنَّه تَتَبَّع الأوزانَ التي استعملها شاعرٌ عاميٌ واحدٌ؛ فأحصى منها عشرين وزناً، ولمَّا يُقارب نهاية الديوان"( ) ! أما الفرق الكبير المميز للشعر الفصيح عن "النبطي" هو اللغة، فقد فُقدت لُغةُ الشِّعر "النبطي" خصلتين مهمتين من خصائص الشعر العربي الفصيح، وهما : الأولى : الإعراب، فهو أساسُ الشعر الفصيح، أمَّا الشعر "النبطي" فقد أشار بعض الباحثين إلى انحرافه جملةً وتفصيلاً عن الفصيح، يقول : عبد الله بن خميس : " لا تحاول وأنت تقرأ هذا الشعر أن تسلك جادة اللغة الفصيحة، فتُسلِّط العوامل على معمولاتها، وتحاول الرفع، أو النصب، أو الجر، أو السكون ... أو تحاول أن تقول عن هذا الفعل أنه مثال، أو عن الآخر أنه أجوف، أو عن ثالث أنه ناقص، أو مهموز، أو واوي، أو يائي … الخ، لا تحاول أن تقرأ الشعر وأنت مرتبط بشيء من هذا. ولا أن تقول إذا جئت تقرأه لِمَا هذا كذا، أو ليس هذا بصحيح، فالشاعر "النبطي" يريد أن يُخضعَ كلَّ شيءٍ من أجل استقامة وزن بيته وكفى"( ) . الثانية : التركيب، أما تركيب الجملة العامية فليس لها قاعدة معروفة حتى الآن. يقول مرزوق : "ولا أعرف حداً لأقله، ولم أطلع على تحديد لنظم الجملة العامية يمكن الاعتماد عليه حتى يمكننا أن نقارن بين الجملة الفصيحة والعامية، ونعرف وجه التشابه بينهما "( ) . * * * الرابعة : قول بعضهم : إنَّنا لسنا من دعاة "النبطي" بقدر ما نحن دعاةٌ إلى الإسلام؛ لذا كان " النبطيُّ " عندنا وسيلةً دعويةً نستطيع من خلاله تَذكير مجموعةً – ليست قليلة – من الناس بالعقيدةِ الصحيحةِ، والجنَّةِ، والنَّار، والأخلاق الحميدة ... الخ . قلت : إن هذه الشُّبهةَ تُعد من أهم الشُّبهِ التي اتكأ عليها كثيرٌ من الصالحين، وهذا ظاهرٌ من خلال الإنتاج الفني، والمقدمات العلمية عبر الأشرطة السمعيَّة - الكاسيت- حيث نجدهم يتسابقون ويتنافسون في إصدار ما يمكن إصداره من هذه الأشرطة تحت أسماء وعناوين تدلُّ على الصحراء، وأهلها من البادية، والأعراب! قلت : ما كان لي أن أكتب شيئاً عن الشعر "النبطي"، وبيان أخطائه إلاَّ حين رأيت الصَّالحين - للأسف - يتساقطون في أحضان "النبطي" دون رويَّةٍ، أو علم؛ مستندين على هذه الشبهات الواهية، والاجتهادات الفاسدة . فالشعر "النبطي"، ودعاته لم يكونوا أبناء اليوم؛ بل كان وجوده منذ أكثر من خمسمائة عام تقريباً؛ وقد تشاغلنا عنه، أو تجاهلناه ظنّاً منَّا أن دُعاتَه سيكشف التأريخُ جنايتهم، وعاديتهم على اللغة العربية، كما هو الحال عند دعاة الحداثة، والشعوبية وغيرهما من أعداء الفصحى. فسنةُ الله - تعالى - باقيةٌ ما بقى أهلُ الخير وأهلُ الشر؛ لكننا تفاجأنا وعجبنا حينما رأينا بعضاً من إخواننا الصالحين قد تنكَّب طريق الدعوة السلفية، والوسائل الشرعية في الدعوة، وانهزم أمام دعاة "النبطي"، ووسائلهم الضعيفة! ومن خلال ما مضى نستلهم أن السلفية لم تكن دعوى يتجاذبُها الأدعياء، أو مظلةً يستظلُ بها من يشاء؛ بل السلفية عقيدةٌ ومنهجٌ في جميع شؤون الحياة لا سيما في الانتماء إلى لغة الكتاب والسنة، واقتفاء آثار السلف . يقول الأديب الكبير محمود شاكر رحمه الله : " ... إنَّ أقوى الفريقين المتصارعين من سلفيين ومبتدعة، هو فريق السلفيين، لا من حيث كثرتِهم وغَلَبَتِهم؛ بل من حيث القوة التي تشتمل عليها دعوتُهم؛ لأنها تؤدِّي إلى إعادة بناء اللغة؛ إذ لا معنى للانتساب إلى طريقة السلف، إلاَّ بأن يتملَّك السلفيُّ ناصيةَ اللغة وآدابها تملُّكاً يمكِّنه من الاستمداد المباشر من القرآن والسنة على نفس النهج الذي كان السلف يستمدُّون به من القرآن والسنة في آدابهم، وأخلاقهم، وثقافتهم، وفقههم، وعلمهم، وتفكيرهم، وفي سائر ما يكون به الإنسان حياً رشيداً قادراً على بناء الحضارة "( ) . لأجل هذا؛ أرسلت للقلم عنانه في كتابة هذه الرسالة كي أُبيِّن أبعاد وأخطار هذه الاجتهادات امتثالاً لواجب النصيحة بين المسلمين . وقبل الشروع في تفنيد هذه الشبهة؛ أحببنا أن نذكر مراحل الشعر "النبطي" الزمنية باختصار؛ تقريباً للمسألة، وكشفاً لأبعادها . فأقول : لا يخفى الجميع أن الشعر "النبطي" مرَّ بمراحل أحسبها ثلاثاً، والله أعلم . الأولى : لقد نشأ الشعر "النبطي" قبل خمسة قرون بين أهله الذين لا يحسنون العلم؛ فضلاً عن اللغة، وعلومها من نحوٍ، وصرفٍ ... الخ، فكان "النبطي" منهم تعبيراً، وإبداعاً، وحياةً ...، ولم يكن لهم أهداف، أو أبعاد بقدر ما يعيشون واقعهم، وحياتهم البدوية، ومشاعرهم العاطفية . الثانية : وهذه المرحلة تعتبر مرحلةً خطيرةً، ومنحنى في تأريخ اللغة العربية؛ وذلك حينما تبنَّى دعاةُ العامية الشعرَ "النبطي" كفكرٍ، وتقنينٍ، وتأصيلٍ، ومن ثمَّ لم يفتؤا في الدعوة إلى الشعر "النبطي"، واحتضانه، وإحياء لياليه، ونشر صحفه ومجلاته و غير ذلك ممَّا يعج به الواقع . الثالثة : وهذه المرحلة لم تكن وليدةَ أفكارٍ، أو تخطيطاً بقدر ما كانت وليدةَ واقعٍ مشحونٍ بـ "النبطي" ممَّا عملته أيدي الدعاة إلى "النبطي"، سواء في الصحفِ، أو وسائل الإعلام، فكان لهذه الأجواء المعمَّمة، والسحب المظلمة؛ نتائجها الهزيلة، وثمارها الفاسدة، فما كان لها إلاّ أن تعمل في أفكار أصحاب هذه المرحلة، وتدفعهم إلى عجلةِ "النبطي"، حيث اشتغل أكثر الشباب الصالحين بالشعر "النبطي" ظناً منهم أنه تاج الأدباء، ومنتدى الشعراء، وصَرْحُ الثقافة؛ لذا جعلوا من أنفسهم شعراء مبدعين، ودعاة مصلحين؛ لهم دواوينهم "النبطيَّة"، ولقاءاتهم المسائية! وكما أسلفنا لم يكن هؤلاء الشباب من مجرمي الفصحى بقدر ما هم أبرياء سُذَّج؛ قد وقعوا ضحايا دعاة "النبطي"!، حيث لم يسلموا من تأثير الواقع المحيط بهم، لذا لم يكن منهم إلاَّ أن استجابوا لداعي "النبطي" ... حتى كان منهم ما كان بدافع الغفلة، وعدمِ الحَيطةِ والحذرِ من الغزو "النبطي"! وهكذا لم تزل الغفلةُ بهم حتى سعوا حثيثاً في نشرِ دعوتهم عبر "النبطي" من خلال الأشرطة التي انتشرت في أروقة المحلات السمعية بين الفينة والأخرى( ) . لذا رجوتُ أن يكون الجوابُ عن هذه الشبهة عبر حوارٍ علمي بيني وبين صاحب هذه الشبهة مع الأمانة العلمية، والإنصاف في المحاورة كما ستراه إن شاء الله( ) قلت : إن هذا الشعر "النبطي" الذي جعلتموه وسيلةً دعويةً؛ هل هو شعرٌ عربي أم أعجمي؟ . قال : إنه شعرٌ عربي، ولا شك . قلت : إذا كان كما قلت؛ فهل هو شعرٌ عربي فصيحٌ موزونٌ مقفَّى معرَّب أم شعرٌ عربي ركيكٌ ملحونٌ لا علاقة له بالإعراب، وأوزان الشعر الفصيح ؟ . قال : لا شكَّ أنه ملحونٌ؛ لا علاقة له بالإعراب، والأوزان العربية المعروفة، والقواعد النحوية . قلت : أليس كتابُ الله تعالى، وسنةُ رسولِه صلى الله عليه وسلم بلسانٍ عربي فصيح ؟، قال : بلى؛ ولا شكَّ في هذا . قلت : إذا كان كما قلت؛ أفلا يكفي أن ندعوَ الناسَ بالكتابِ والسنةِ مباشرةً؛ لأن فيهما – الكتاب، والسنة – من البيانِ، والفصاحةِ، وجمال المبنى، ووضوحِ المعنى، وسهولةِ العبارة ما ليس في الشعر " النبطي"؟، وكذا دعوتهم باللِّسان العربي؛ سواءٌ كان شعراً، أو نثراً ؟ . قال : لا شك في ذلك؛ ولكن هنا إيرادٌ مهمٌ وهو : إننا ندعو أُناساً لا يحسنون اللُّغة العربية الفصحى؛ بل الذين ندعوهم أناسٌ يتأثرون، ويفهمون من الشعر "النبطي" أكثر من غيره . قلت : هذا إيرادٌ جيدٌ؛ إلاَّ أنه مردودٌ بسؤالٍ وهو : أن هؤلاء الذين وصفتهم بالجهل، والعامية هل هم عربٌ، أم عجم ؟. قال : لا شكَّ أنهم عرب . قلت : إذا كانوا عرباً؛ فدعوتهم باللِّسان العربي الفصيح حينئذٍ أولى، وأجدر من دعوتهم باللهجة العاميَّة الركيكةِ؛ وإلاّ انتقض كلامك !، لاسيما أنَّنا لم نسمع يوماً من الأيام عن هؤلاء العامَّة إنهم لا يحسنون فَهمَ ومعرفةَ اللِّسان العربي الفصيح؛ بل نجدهم في غاية الفهم، والمعرفة! والدليل على هذا أننا نجدهم يقرؤون القرآن، والسنة – إذا كانوا يقرؤون -، أو يسمعونهما من غيرهم، وكذا نجدهم يستمعون إلى المحاضرات، والأشرطة الإسلامية، وتُقرأ عليهم الكتبُ الإسلامية، وتلقى عليهم الخُطب، والمواعظ صباحاً مساءَ وهم في غاية الاستمتاع والفَهمِ دون تَذمُّرٍ، أو ضِيقٍ . وإني أخشى ما أخشاه بعد هذا أن يكون دعاة "النبطي" قد تطاولوا على العامة، وحمَّلوهم ما لم يحتملوا، وجهَّلوهم زيادةً على جهلم؛ حينما صموهم بالعجمةِ، وسوءِ الفهم؛ وفسادِ السماع للقرآنِ والسنةِ ! قال : نعم ما قلته فيه شيءٌ من الصِّحة؛ لكنَّنا وجدنا الشعرَ "النبطي" أسهلَ على ألسنتهم، وأذواقهم ليس إلاَّ، ولم نتَّهمهُم بسوءِ فَهمِ الخطاب؛ بل غاية ما عندهم هو سوء تحرير الكتاب . قلت : إذا كانوا عرباً كما ذكرتَ آنفاً؛ فالأولى شرعاً وعقلاً أن نردَّهم إلى اللِّسان العربي الذي هو أصل لسانهم، ومنبعُ كلامهم من كوننا – عياذاً بالله – نبُعدهم عنه، ونزيدُ في الشُّقةِ بينهم وبين أصلِ لسانهم؛ لأن الإنسان بطبعه يكون رجوعه إلى أصله أسهل وأقرب من إبعاده عنه، والحالة هذه فأنتم بفعلكم هذا تُسيئون إليهم، ولا تحسنون ! قال : نحن أعلم بهؤلاء - العامة، والأعراب - وما أردنا لهم "النبطي" كدعوة إلاَّ نصحاً، وإحساناً بهم. قلت : إنَّ دعوتَكم لهؤلاء بالشعر "النبطي" يُعدُّ غشاً لهم، وزيادةً في تجهليهم، وإبعادهم عن اللَّسان العربي الذي هم أقرب إليه من غيره، فأنتم بهذا الصنيع لا تخرجون عن حالتين لا ثالث لهما، والله أعلم . الأولى : أنكم تقامرون بعقول، وأذواق العامَّة على حساب أنفسكم، وحبُكِّم لـ"النَّبطي"؛ بل إخالكم بهذا الصنيع تتاجرون بالعامَّة في أسواق الرقيق، وتجعلون منهم جُنَّةً تَتَصدُّون بهم من سهام حُماةِ الفصحى . الثانية : أنكم لا تعرفون حقيقة العامة، ولا تدركون أذواقهم حينما حكمتم عليهم بالجهل المركب، فإن زعمتم أن الأمر ليس كذلك، فأنتم حينئذٍ تتكلمون عن أُناسٍ ليسوا معنا، ولا يعيشون بيننا؛ بل هم أقرب أن يكونوا في غابات إفريقيا، أو ما وراء البحار !، لأنَّ الواقعَ يُناقضُ دعواكم، والعبرة بالحقائق والبراهين، لا بالتخرُّصات، والأقاويل !، فالعامة في الجزيرة العربية لم يكونوا من عالم الغيب؛ بل هم من عالم الشهادة، فهم معنا، ويعشون بيننا . فإذا عُلم ذلك كان من السهولة والبيان والوضوح أن نحكم على العامة في الجزيرة بما يلي :" أنهم أناسٌ يحسنون فَهم اللِّسان العربي الذي هو أصل لسانهم، وهذا ظاهر عند مخاطبتهم، والتحدث إليهم . فأنتم بقدر إبعادكم للعامة عن اللِّسان العربي سيكون حتماً في الوقت نفسه إبعاداً لهم عن فَهم الكتاب، والسنة شئتم، أم أبيتم . قال : نحن نريد من الشعر "النبطي" المعاني الجميلة، من مآثر، وشجاعة، وكرم...الخ، بغض النظر عن المباني، والألفاظ، والإعراب . قلت : أما إذا قصدت المعاني دون المباني - الألفاظ - فهذا عذرٌ أقبحُ من الذي قبله! لأننا نسمعُ كلَّ البشر يتكلمون بلهجاتهم المختلفة ما بين بربرية، وأعجمية، ولاتينية، وأُردية، وفارسية ... إلخ، فهذه اللهجات وإن كانت مختلفة المباني؛ إلاّ أنها متفقة المعاني دون شكٍّ !، والحالة هذه، فليس لكم بعد ذلك عذرٌ، أو تبريرٌ في ترويج وتسويغ القول : بأن الشعرَ "النبطي" وسيلةٌ دعويةٌ صحيحةٌ . فإذا عُلم هذا : لا ننس أنَّنا لا نريد دعوة العامة، والأعراب، وغيرهم باللِّسان العربي لكونه عربياً فقط؛ بل وراء ذلك أيضاً أهم وأعظم هدفاً وغايةً وهو دعوتهم إلى دينهم الذي خُلقوا من أجله، وذلك بترويض لسانهم على الفصحى، وتقريبهم من فَهم اللِّسان العربي الذي هو طريق الكتاب والسنة، وكلام السلف، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : " التفسير على أربعةِ أوْجُهٍ، تفسيرٌ تعرفُه العربُ من كلامِها، وتفسيرٌ لا يُعذرُ أحدٌ بجهالته، وتفسيرٌ يعلمهُ العلماءُ، وتفسيرٌ لا يعلمهُ إلاَّ الله؛ من ادَّعى علمَه فهو كاذبٌ "( ) . فهذا ابن عباس رضي الله عنه بَيَّن لنا موقع، ومكانه العامَّة إذا كانوا عرباً، وهو أن يكون لهم حظٌ وافرٌ من فَهمِ كتاب الله، وهذا لن يكون إلاّ إذا حملناهم على فَهمِ اللِّسان العربي قدر الإمكان . أمَّا إذا تمادينا، وأصَررنا على الحِنثِ العظيم، وذلك بحمل ألسنة العامية، وتعويدهم على الكلام العامي الملحون عبر الشعر "النبطي"، فيخشى علينا أن نكون ممَّن يصدُّ عن سبيل الله، قال تعالى : "ولا تقعدوا بكلِّ صراطٍ تُوعدون وتصدُّون عن سبيل الله من آمنَ به وتبغونها عوجاً واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثَّركم وانظروا كيف كان عاقبةُ المفسدين " الأعراف (86) . قال : نحن لا نقصد بدعوتنا الشرعية الدَّعوة إلى العاميةِ؛ بل غاية ما عندنا نشرُ الحقِّ، وتعليمُ المسلمين أمورَ دينِهم؛ فأين نحن حينئذٍ من دعاةِ "النبطي"؟! قلت : لاشك " إنما الأعمال بالنِّيات " كما قال صلى الله عليه وسلم( )، لكنَّه ينبغي أن نفرِّق بين النِّيةِ وبين العمل، فالنيةُ إذن شيءٌ والعمل شيءٌ! يوضِّحُه؛ أن النيةَ والعملَ قد يكونان صالحين، وقد يكونان فاسدين، وقد يكون أحدهما صالحاً والآخر فاسداً، وأمثلة ذلك كثيرة . فمثلاً : صلاح النية دون العمل : التقرب لله تعالى ببعض الشِّركيات والبدع، فعبادة أهل الجاهلية لأصنامهم كان ظنّاً منهم أنها وسيلةٌ تُقربهم إلى الله تعالى كما قال تعالى عنهم : " ما نعبدهم إلاَّ ليقربونا إلى الله زُلفى " الزمر (3)، وكذا ما يقوم به أهلُ الموالدِ؛ فنيَّاتُ أغلبِهم صحيحةٌ لكنَّ أعمالَهم فاسدةٌ شرعاً؛ فمنها : ما هو شركٌ بالله تعالى، ومنها : ما هو دون ذلك؛ فلابدَّ حينئذٍ من إخلاص النية وصلاح العمل معاً . قال : إذن من أيِّ الأنواع تكون دعوتنا بالشعر "النبطي" عبر الشريط الإسلامي؟ قلت : لا شكَّ أنَّه من النوعِ الرابعِ الذي هو : صلاح النية دون العمل، فنيَّتُكم صالحةٌ – إن شاء الله – في حين أنَّ عملَكُم غيرُ صحيح قطعاً، فحينئذٍ أنتم لم تسلموا من الدعوة إلى العامية . قال : كيف هذا، وما دليلك على ما ذهبتَ إليه ؟ . قلت : الدليل على ذلك ما يلي : 1ـ أنَّ الشريط من أوسع الطرق نشراً وذيوعاً؛ لأنه سهلُ التناولِ قريبُ الفائدة؛ فنشركم للخير حينئذٍ بالشعر "النبطي" عبر الشريط يعدُّ دعوةً للعامية . 2ـ أنَّ شريطَكم هنا يتضمَّنُ مواضيع شرعية، وآداب مرعية ممَّا يحتاجها كلُّ مسلمٍ على مختلف الطبقات وتنوّع المستويات؛ لذا سيكون نشره بنطاقٍ أوسع، وفي هذا تشجيعٌ إلى الدعوة العامية . 3ـ أنَّ الكلمات التي تُلقى في مقدِّمات أشرطتكم من حبِّكم لنشر الخي، مع تبريركم لأهمية "النبطي"، وأنه طريقةٌ سهلةٌ يعشقها ويألفها كثيرٌ من الناس؛ لهو أكبرُ دليلٍ، وأوضحُ برهانٍ للدعوة إلى العاميةِ ! مع علمنا - دون شكٍّ - : أنكم ما أردتم بصنيعكم هذا إلاَّ خيراً، وهذا النيةُ الصالحة لا تعني ضرورةً صلاح العمل كما ذكرناه آنفاً، فغاية ما عندكم أنَّكم مجتهدون مأجورون باجتهادكم معذورون في خطأكم( )، والحالة هذه إذا أصررتم على الخطأ بعد بيانه فلا شكَّ أنكم مأزورون - عياذاً بالله - وحاشاكم أن تكونوا كذلك .
قال : إذاً فَهمتُ ما أردتَ، واطمأنَّ إليه قلبي، وحصحص الحقُّ لكلِّ منصفٍ .
والحمد لله رب العالمين
Tweet

