الردُّ السَّالم على الكاتبِ عبدِ اللهِ سالم
الردُّ السَّالم
على الكاتبِ عبدِ اللهِ سالم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله الأمين .
إلى الأخ (الدكتور!) : عبد الله سالم . هداه الله .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أقول لقد وقفت على مقالتكم : (الحُبُّ والجَمَالُ والطَّرَبُ في الشِّعْرِ والأدَبِ) في جريدة عكاظ العدد ( 11768 ) الثلاثاء (21/7/1419) فهالني مقالُكم، وكأن مكة تغشاها ما غشى حينما علمت بأنك من مكة!
فأقول : ليس المقام مقام تفصيل، أو سرد حجج، أو كشف شبهات وأباطيل، أو دحض أغاليط … كلاَّ !
لأني أوجست أنكم تكتبون بقلم أدبي ( حُرٍّ! ) أي دون زمام وخطام، فالله المستعان على حرمة الإسلام، لذا لم يكن ثمة اعتبار أو احترام للملابسات و المؤاخذات استنادًا على زعمهم : (قَلَمٌ حُرٌّ)، أو (شِعْرٌ حُرٌّ) فَكَمْ جَرَّ هذا الحُرُّ مِنْ شَرٍّ !
* * *
لذا استأثرت في مقالي هذا النصيحة، لأن عقد الوصال بيننا اليوم هو النصيحة، وغدًا ليس ثمة إلاَّ الفضيحة، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلاَّ من أتى الله بقلب سليم، وكان لله عبدًا مطيعًا، لا حُرًّا مُضَيِّعًا .
وقبل أن أرسل عنان القلم معكم أحببت أن أنثر بين يديك بعض ما كتبته يديك، وما ذاك إلا خشيةً عليك من حصائد الألسن، ولا أقول غوائل القلوب أعاذني الله وإياك منها ومن كل شر مستطير، فمن تلكم المقالات التي ذُكرت بلا زُممٍ أو خُطمٍ نحسبها :
1ـ مدحك وثنائك واعتذارك لنهيق الحمار .
أقول فليت شعري وهل ظن التاريخ يوما بطول أيامه، وكثرة أحداثة، أن يتفوه إنسانٌ عاقلٌ ولا أقول ( دكتور ) بالثناء والاعتذار لنهيق الحمير، أو يقف معتذرا لضجيج صوت النهيق، أو النباح ... ولو على حَدِّ تعبيرك ( ومَنْ يَدْرِي فَلَعَلَّ النَّهِيْقَ … إلخ ) .
لا شك أن (الدكتور) السالم مُسْلِمٌ يَقَرأ القرآنَ، ويُقِرُّ بالإيمان – ولا شك – فأين أنت إذًا من قوله تعالى : ( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) فالله تعالى يصف لنا صوت الحمير بأنه أنكر الأصوات و أبشعها وأسوأها ... في حين نراك جعلت من صوت الحمير نغمةَ حُبٍّ وتَرْجَمَةَ عِشْقٍ؟!
فأقول : إذا استطاع ( دكتورنا ) أن يترجم للحمير نهيقها فهو معذورٌ إذن؛ إلاَّ أنَّه ينبغي له ألاَّ يلمني أو يَلُمْ أحدًا من بني آدم ممَّن أعجزتنا الحيلُ أن نفهم من النهيق سوى النهيق الذي هو أنكر الأصوات كما ذكره الله، ولله دَرُّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما قال : (الناس بقدر ما يحسنون) فمن كان يحسن لغة العرب فهو عربي، ومن كان يحسن لغة العجم فهو عجمي، ومن كان يحسن لغة الحمير فهو يحسنها!
ولا يخفى عليك كلامَ النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال : ( إذا سمعتم نهيق الحمار فاستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم فإنه رأى شيطانا ) .
فمعذرةً (دكتورنا!) إذا ما علمت أنَّ هنالك بونًا شاسعًا بين من يقول أنَّ الحميرَ ترى عند نهيقها شيطانًا، وبين من يقول إنَّه يَجِدُ عِنْدَ نهيقها حُبًّا وحَنِينًا!
* * *
2ـ أما إباحتك للغناء والموسيقى والعشق والغرام([1]) ...!
فأقول : إذا كان الكلام عن الحميرِ أو العِيْرِ أو الكلابِ حَقًّا مُشَاعًا لا إنكار فيه ولا تثريب، سواءٌ كان المتكلم يحسن لغة الحيوانات أو يجهلها فهذا لا يهمنا، أمَّا أنَّنا نسمح لأحدٍ كائنًا من كان أن يتكلم في الحلال أو الحرام لاسيما إذا كان لا يحسن لغة العلم الشرعي فلا؟!
أيُّها (الدكتور) إنَّني أُعِيذُك بالله أنْ تَقُوْلَ على الله ما لا تعلم، أو تُحَلِّلَ من الدِّيْنِ ما هو حرامٌ، فإني أذكرك بقول الله تعالى : ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون )، وقوله تعالى : ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر وما بطن والإثم والبغي الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) .
لذا لن أطيل معك الكلام في تحريم الغناء والموسيقى .. بل حسبنا قول الله تعالى : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم .. ) الآية، فقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مُفَسِّرًا ( لهو الحديث ) : والله الذي لا إله إلا هو إنه الغناء قالها ثلاثًا .
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (... ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف …الحديث )، فالله أسأل أن لا تكون من هؤلاء القوم الذين يستحلون المعازف والغناء .
* * *
3ـ وأما استشهادك بقول الشاعر :
رب خلقت الجمال فتنة للمحبين وقلت لعبادك اتقوا
وأنت جميل تحب الجمال فكيف لعبادك أن لا يعشقوا
أقول : هذه مصادمة ومعارضة لحكم الله تعالى (عياذا بالله!) فأين أنت عن قول الله تعالى : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما )، وقوله تعالى : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ...) الآية .
ومن المعلوم لدى كافة المسلمين أنَّ الله تعالى لم يخلق شَرًّا مَحْضًا في شيءٍ خلافًا لما زَعَمْتَ أنَّه تعالى خلق الجمالَ فتنةً (عياذا بالله!)؛ بل الفتنةُ في الجمال ليست نابعةً من أصل الجمال كلاًّ، فالجمالُ في نفسه مرغوبٌ محبوبٌ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنَّ الله جميل يحب الجمال ... الحديث )، لكنَّ الفتنة هنا من آثار الجمال ومترتبة عليه عند ضعاف الإيمان، وشذاذ الفساق .
فإذا علمنا أنَّ هنالك مَنْ هو ضَعِيْفُ الإيمان فهذا لا شك يُخْشَى عليه الفتنة المترتبة من رؤيته للجمال، ومِنْ ثَمَّ سَيُسْقِطُه الشَّيْطانُ في أوحال الشهوات وحب الفساق وهيام العشاق .
* * *
ثم أعود قائلا : قل لي بربك أيها ( الدكتور ) ماذا تظن ببيت شعرٍ أهله هكذا؟!
فبيتٌ هذا معناه؛ لهو دليلٌ صريحٌ للدعوة إلى المجون والخنا والفسق، كما أنَّه معارضٌ لحكم الله تعالى، ولهو أيضًا دليلٌ فاضحٌ لأهله بأنَّهم أهلُ مُجُونٍ وعِشْقٍ وهُيامٍ وغَرَامٍ ...!
فإذا كان هذا صاحب الدار، فماذا يا ترى ستكون شيمة أهل الدار؟
أقول أعاذ الله بيوتَنَا وبَيْتَكَ أيها (الدكتور) مِنْ هذه العثرات والفجرات، ومن تزين الشهوات، ومن تلكم الجهالات آمين!
* * *
4ـ أمَّا استشهادُكَ بكلام الشاعر ـ الملحد ـ الماجن في قوله : ( وقرأنا كتب التفسير والتنجيم والطب ولا نعرف من أين بدأنا ...)!
أقول : هذه نزعة ماركسية إلحادية ـ عياذًا بالله ـ أحْسِبُكَ بعيدًا عنها إنْ شاء الله .
وإن تعجب فعجبٌ من استشهادك أيها (الدكتور) بهذه الكلمات الكفرية والإلحادية دونما إنكار منك، لاسيما إذا علمت أن علماء الإسلام قد كفروا هذا الشاعر جَرَّاءَ مقولته هذه.
أما كونك لا تقصد معناها، بل استهواك من كتابتها مبناها لا معناها، فهذه لا تخرج بك في أقل أحوالها أن تكون منك جهالة مقيتة، وتبعية عشوائية حيث تتكلم بما لا تعلم .
وإني أذكرك ـ ثانيًا وثالثًا ـ بأنك مسلمٌ تقرأ القرآنَ، فكيف خفيَ عليك مئاتُ الآيات التي تُقَرِّرُ مبدأ الإنسان، وأنَّه خُلِقَ عَبْرَ أطْوارٍ معلومة عند طلاب الصفوف الدُّنيا، فضلاً عن طلابِ المتوسطة، ولا أقول : (الدكاترة!) : وهو أنَّه خُلِقَ من نطفةٍ، ثم من علقةٍ، ثم من مضغةٍ، ثم سواه إنسانًا، ثم قد يصبحُ ( دكتورا )!
* * *
5ـ أما استشهادك بكلام جورج جرداق، وبوليوس قيصر، وعلي بن الجهم، وإيليا أبو ماضي، فليس لنا إلا أن نعزيك في ثقافتك الباردة؛ حيث ذكرت أسماءهم فضلاً عن استشهادك بكلامهم .
فإذا كنت أيها (الدكتور) تعلم من هؤلاء ـ وهو كذلك ـ فهذه مصيبة، وإن كنت لا تعلم ـ وأرجو ذلك ـ فالمصيبة أعظم!
وقبل الوداع فإني أناشدك بالله أن ترعى لمكة حرمتها، وأن لا تُحْدِثَ فيها إباحةَ الغناء والموسيقى والعشق والغرام، فهذه بلدٌ حرامٌ، ومَهبطُ الإسلامِ.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل
كَتَبَه
ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي
الطائف
صَبَاحَ يَوْمِ الأرْبِعَاءِ في الثَّاني والعِشْرِيْنَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ لعَامِ ألْفٍ وأرْبَعْمائةٍ وتَسْعَةَ عَشَرَ من هجرة المُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ
(22/7/1419)
[1] ـ ومن أراد زيادة تفصيلٍ لأحكامِ الغناء والمعازف فعليه بكتابنا الموسوم بـ "الريح القاصف على أهل الغناء والمعازف"، ففيه من كفاية ومقنع إن شاء الله لمن يريد الحق .
Tweet


