البَيَانُ الشَّرْعِيُّ في تَفْجِيْراتِ الرِّياضِ
البَيَانُ الشَّرْعِيُّ
في تَفْجِيْراتِ الرِّياضِ
ــــــــــــــــــــ
بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على عَبْدِه ورَسُولِه المَبْعُوثِ رَحْمَةً للعالَمِيْن، وعَلى آلهِ وصَحْبِه أجْمَعِين، ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ إلى يَومِ الدِّينِ!
أمَّا بَعْدُ :
فإنَّ ما حَدَثَ فِي مَدِيْنَةِ الرِّياضِ ظُهْرَ يَومِ الأرْبِعَاءِ (2/3/1425)، مِنْ التَفْجِيْراتِ الَّتي اسْتَهْدفَتْ مَبْنَى الإدِارَةِ العَامَّةِ للمُرُورِ وقُوَى الطَّوارِئ؛ لَهُوَ مِنَ الفَسَادِ فِي الأرْضِ، والشَّرِ العَرِيضِ؛ حَيْثُ اسْتَباحَتْ دِمَاءَ المَعْصُوْمِين مِنَ المُسْلِمِينَ، وتَرْوِيعَ الآمِنِيْنَ، وتَخْرِيبَ البِلادِ، وهَدْرَ الأمْوَالِ، وتَضْيِيْعَ الجُهُودِ الإسْلامِيَّةِ، كَمَا فَتَحَتْ ( للأسَفِ ) البابَ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ لأعْدَاءِ الدِّيْنِ (بِجِمْيعِ نِحَلِهِم وأفْكَارِهِم) ليَسْتَبِيْحُوا حِمَى الإسْلامِ والمُسْلِمِيْنَ، كَمَا أنَّهَ لَمْ يَكُنْ رَهِيْنَ تَفْجِيْرٍ أو انْتِقَامٍ بقَدْرِ مَا كَانَ سَهْمًا غَرْبًا فِي نَحْرِ الإسْلامِ؛ مِمَّا كَانَ لَه الأثَرُ السَّيْءُ فِي تَشْوِيْه معالم الدِّينِ : مِنْ عِلْمٍ ودَعْوَةٍ، وسَمَاحَةٍ وتَعَامُلٍ، وتَشْرِيْعٍ وجِهَادٍ!
* * *
وإنَّنا لَجَمِيعٌ مُسْتَنْكِفُونَ هَذِه الأفْعَالَ الإجْرَامِيَّةَ، والتَّفْجِيرَاتِ العُدْوانِيَّةَ، مِمَّا لا يُقِرُّه إسْلامٌ ولا إيِمْانٌ، فالسَّلامَةُ والأمَانُ لا تَجْتَمِعَانِ (والحَالَةُ هَذِه) في قَلْبِ أحَدٍ مِنْ مُدَبِّرِي هَذا التَّفْجِيْرَ، كمَا دَلَّ عَلَيْه الكِتَابُ والسُّنةُ والإجْمَاعُ والعَقْلُ والحسُّ :
ـ فأمَّا الكِتَابُ : فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : "ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلاَّ بالحَقِّ ذَلِكَ وَصَّاكُم بِه لعَلَّكُم تَعْقِلُوْنَ"[الأنعام151]. وقَالَ تَعَالَى :"ومَنْ يَقْتُلْ مُؤمنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُه جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيْها وغَضِبَ اللهُ عَلَيْه ولَعَنَه وأعَدَّ لَه عَذَابًا عَظِيْمًا"[النساء93].
ـ وأمَّا السُّنةُ : فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ : "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلاَّ بإحْدَى ثَلاثٍ : الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفْسُ بالنَّفْسِ، والتَّارِكُ لدِيْنِه المُفَارِقُ للجَمَاعَةِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْه، وقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ : "ألا إنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُم دِمَاءكُم وأمْوَالَكُم كحُرْمَةِ يَوْمِكُم هَذَا فِي بَلَدِكِم هَذا، ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا : نَعَم، قَالَ : اللَّهُمَّ اشْهَدْ!"البُخَارِيُّ.
ـ وأمَّا الإجْمَاعُ : فقَدْ نَقَلَ الإجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيْمِ قَتْلِ المُؤْمِنِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَثِيْرٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، كابْنِ قُدَامَةَ وغَيْرِه[1].
ـ وأمَّا العَقْلُ : فلا يَشُكُّ عَاقِلٌ أنَّ قَتْلَ النَّفْسَ المَعْصُومةَ بغَيْرِ حقٍّ فيه مِنَ المَفَاسِدِ ما يَعْجَزُ المَرْءُ عَدُّه، وحَسْبُكَ منه : اخْتِلالُ نِظَامِ الحياةِ في المُجْتَمعِ، وسَلبُ حَياةِ المَجْنِي عَلَيه بدُوْنِ حَقٍّ، مِمَّا قَدْ يُؤدِّي هذا العُدْوانُ إلى طَلَبِ الثَّأرِ والانْتِقَامِ مِنْ الجَانِي مَا يَكُونُ سَبَبًا قَوِيًّا لبَعْثِ حُرُوبٍ وخُصُوماتٍ ما تَكُونُ أضْعَافَ أضْعَافَ جِنَايَةِ القَتْلِ!
لأجْلِ هَذا؛ فَقَدْ دَلَّ العَقْلُ عَلى تَحْرِيْمِ وتَقْبِيْحِ القَتْلِ العَمْدِ، ما يَعْلَمُه النَّاسُ ضَرُورةً، وذَلك بأنَّه لا يُمْكنُ الأمْنُ في ظِلِّ الحياةِ الهادئةِ، وإقامَةِ شَعائِرِ الدِّيْنِ إلاَّ إذا حُفِظَتِ الضَّرُوراتُ الخَمْسُ : (الدِّينُ، والنَّفسُ، والعَقْلُ، والنَّسْلُ، والمَالُ)، ولذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ : "إنَّ حِفْظَ هذه الخَمْسَةَ يَسْتَحِيْلُ ألاَّ تَشْتَمِلَ عليه مِلَّةٌ مِنَ المِلَلِ الَّتِي أُرِيْدَ بِها إصْلاحُ الخَلْقِ، ولِذَلك لَمْ تَخْتَلِفِ الشَّرائِعُ في تَحْرِيمِ الكُفْرِ والقَتْلِ والزِّنَى والسَّرِقَةِ وشُرْبِ المُسْكِرِ"[2]، فَعِنْدَ ذَلِك نَعْلَمُ جَمِيعًا : إنَّ القَتْلَ العَمْدَ لَهُو هِتْكٌ لحُرْمَةِ النُّفُوْسِ المَعْصُوْمَةِ!
ـ وأمَّا الحِسُّ : فَلا يَشُكُ عَاقلٌ أنَّ ما حَدَثَ مِنْ تَفْجِيْرَاتٍ ظُهْرَ يومِ الأرْبعاءِ لَهُو مِنَ الفَسَادِ في الأرْضِ، ومِنَ هَلاكِ الحَرْثِ والنَّسْلِ، حَيْثُ اسْتَباحَتِ الدِمَاءَ، ورَوَّعتِ العبادَ، وخرَّبتِ البِلادِ، وفَتَحَتِ لأعْدَاءِ الدِّيْنِ النَّيْلَ من الإسْلامِ والمُسْلِمِيْنَ، وخَلَطتْ الحَقَّ بالباطِلِ؛ حتَّى اخْتَلَطَ الإسْلامُ بالانْتِقَامِ، والجِهَادُ بالفَسَادِ، والصَّالِحُ بالطَّالحِ، والدَّاعيةُ بالطَّاغِيةِ وغيرُ ذلك مِنَ المُغَالطاتِ الَّتي تَجْعلُ الحَلِيْمَ حَيْرَانَ، ومِنْ قَبْلُ؛ فَلا يَهُولنَّكَ هَذِه التَّفْجِيْراتِ فإنَّها لا تُمَثِّلُ إلاَّ أصْحَابَها فِكْرًا ونُكْرًا، واللهُ المُسْتَعانُ على ما يَصِفُوْنَ !
* * *
ومَهْما يَكُنْ؛ فحَسَنًا أنْ نجُرَّ ذَيْلَ التَّواصلِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ في ثَوْبِ النَّصِيحةِ؛ لاسيما أنَّنا هذه الأيامُ الحَرِجَةُ أحْوَجُ ما نَكُوْنُ للنَّصِيحةِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ؛ حيثُ أقْبلَتِ الفِتَنُ تَمُوجُ كقِطَعِ اللَّيلِ المظلمِ، مِمَّا يَكْفِي بَعْضُها في دَفْعِ البلادِ والعبادِ إلى مَهَاوِيَ لا قرارَ لَهَا!
فكان مِنْ حقِّ الأخوَّةِ الإيمانيةِ أنْ نَرْسُمَ النَّصيحةَ بيننا إبْرَاءً للذِّمَّةِ ونُصحاً للأُمَّةِ، كما قاَلَ صلَّى الله عليه وسَلَّمَ : "الدِّينُ النَّصيحةِ ( ثلاثًا )"، قال : "للهِ، ولكتابهِ، ولرسولِه، ولأئمَّةِ المسلمين، وعامَّتِهم" مُسْلِمٌ .
* * *
فمِنْ خِلالِ هذا؛ أرَدْتُ أن أُذكِّرَ نَفْسِي وعامَّةَ المُسْلِمِيْنَ ببعضِ ما هُنَالك من نَصَائِحَ اقْتَضاها الاختصارُ، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ خَمْسِ نَصَائِحَ :
النَّصِيْحةُ الأُوْلى : فإنِّي أُناشِدُ كُلَّ مَنْ كَانَ وَرَاء هذه الأفْعَالِ الإجْرَامِيَّةِ، والتَّفْجِيرَاتِ العُدْوانِيَّةِ، بأن يَتَّقِي اللهَ تَعَالى في دِماءِ المُسْلمينَ، وأنْ يَتُوْبَ إلى الله تَعَالى، ( ولاتَ حِيْنَ مَنَاصٍ! )، وألاَّ يَفْتَحَ بابَ شَرٍّ على إخْوانِه المُسْلِمِين، وذَلِكَ : باسْتِعْداءِ أهْلِ الكُفْرِ والفَسادِ على الإسْلامِ والمُسْلمين، وألاَّ يَجُرَّ هَذِه البَلادَ إلى مَعَارِكَ مُخْتَلَقَةٍ لَيْس أحَدُنا فيها بأخْسَرَ مِنَ الآخَرِ، هَذا إذا عَلِمْنا إنَّ العدُوَّ الغَاشِمَ (أمْرِيكا وحلفاءها) قَدْ أحَاطَ ببعْضِ بلادِ المُُسْلِمِينَ إحاطةَ السِّوَارِ بالمِعْصَمِ، كَمَا له سَمَّاعُوْنَ يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَ رَايَتِنا ويَتَكَلَّمُونَ بألْسِنَتِنا !
* * *
النَّصِيْحةُ الثَّانيةُ : فإنِّي أُناشِدُ القائِمِيْنَ على الإعْلامِ ( بجميعِ أنواعِه ) بأنْ يَتَقَيَّدُوا برسَالَتِهم الإعلاميةِ في تَشْخيصِ الدَّاءِ ( التَّغْطيةِ الإعْلاميةِ )، ووَصْفِ الدَّواءِ ( مِنْ أهْلِ العِلْمِ )، لا أنْ يَتَوَسَّعُوا في دَائرَةِ الخَبَرِ تَوَسُّعًا يَزِيدُ الخُصُومَ والهُمُومَ في الوَقْتِ الَّذي نَحنُ أحْوَجُ ما نَكُوْنُ فِيْه إلى تَحْجِيمِ الخَطأ وتَحْجِيرِ المُخْطئ، كما أنَّه سَيَكُون بابًا لبَثِّ بعضِ الأفكارِ المسمومةِ، وتَصْفيةِ الحساباتِ الشَّخصيةِ، يُوضِّحُه : أنَّ بعضَ أصْحَابِ الأقْلامِ المأجورةِ قد جَعَلُوا مِنْ قَضِيةِ الشَّبابِ مُؤخَّرًا : نَفَقًا مُظلمًا لتشويهِ صُورةِ الإسلامِ، ومُهاجمةِ المُصلحين، واتِّهامِ مَنَاهِجِنا التعليميةِ، حتى وَصَلَ بهم الحِقْدُ إلى إيذاءِ علمائِنا الأحياءِ مِنْهُم والأمْواتِ !
فمِثْلُ هذا لا يَقِلُّ خَطَرًا وضَرَرًا من التَّفْجيراتِ؛ بلْ هُو في حَقِيقتِه حَرْبٌ على الإسْلامِ والمُسْلِمِيْنَ، ومِنْبَرُ هُجُومٍ على عَادَاتِنا وأخْلاقِنا، وأبْوَاقُ إرْجافٍ بَيْنَنا، فأمْثالُ هَؤلاء لا يَسْتأخِرُون في إذْكاءِ الفِتْنَةِ وزَرْعِ الأحْقَادِ بَيْنَ أصْحَابِ هَذِه التَّفْجِيْرَاتِ ومُجْتَمَعِهِم !
فإنْ كانْ أصْحَابُ هذه التَّفجيراتِ يَسْتَهْدِفُونَ الأبْدَانَ والعُمْرانَ، فأصْحَابُ هذه الأقْلامِ يَسْتَهْدِفُونَ الإسْلامَ والإيْمَانَ؛ لذا كان السُّكوتُ عن أصْحَابِ هذه الأقْلامِ العابثةِ بمشاعرِ المُسْلِمِينَ وأخْلاقِهم، لهو أمرٌ خطيرٌ جدًّا، قد يَجُرُّ الأمَّةَ ( لا قَدَّرَ اللهُ ! ) إلى فِتَنٍ داخليَّةٍ، وصِرَاعاتٍ فِكرِيَّةٍ قد تأخُذُ بالأمَّةِ إلى فوضويةٍ أمنيةٍ لا آمانَ لها، فلْيَحذَرِ الإعلاميون مِنَ الخُرُوجِ عَنِ النَّصِّ في مِصْداقِيَّتِه وحَقِيقَتِه!
* * *
النَّصِيْحةُ الثَّالثةُ : كما أنَّني أُناشِدُ رَجَالَ الأمْنِ بأن يَتَّقُوا اللهَ تَعَالى في عَمَلِهم، وألاَّ يَسْعَوْا في إعَانَة أهْلِ البَاطِلِ على إخْوانِهم مِنَ شَبابِ المُسْلِمين، وذَلِك بألاَّ يَأخُذُوا أحَدًا من أبناءِ المسلمين بالظِّنَّةِ والتُّهَمةِ بِجَرِيْرةِ مَا فَعَلَهُ هَؤلاءِ، فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم : "إيَّاكم والظَّنَّ؛ فإنَّ أكْذَبَ الحَدِيْثِ الظَّنِّ"مُسْلمٌ، وقَالَ أيْضًا : "إنَّكَ إنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أفْسَدْتَهُم، أو كِدْتَ أنْ تُفْسِدَهُم" أبُو دَاوْدَ، فعِنْدَها قَالَ أبُو الدَّرْدَاءُ رَضِيَ اللهُ عنه : كَلِمَةٌ ( أي الحديث ) سَمِعَها مُعَاوِيةُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم نَفَعَهُ اللهُ تَعَالى بِها، وقَالَ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم : "إنَّ الأمِيْرَ إذا ابْتَغَى الرِّيْبَةَ فِي النَّاسِ أفْسَدَهُم" أبُو دَاوُدَ .
فَعِنْدَئذٍ عَلَينا أنْ نَتَعَامَلَ مَعَ هذه الأحْداثِ بكلِّ حَذرٍ وأمَانَةٍ، فإنَّه لَيْس مِنَ العْدلِ والصَّوَابِ أنْ نُقَابِلَ الخَطأ بخطأ، والجُرْمَ بِمِثْلِه !
كما عَلَيْنا ألاَّ نُشْعِرَ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ ( لاسيَّما أصْحَابُ هَذِه التَّفْجِيْرَاتِ ) بأنَّنا نَتَعَامَلُ معهم بطَرِيقِ الانْتِقَامِ والتَّحَدِي، لأنَّنا بِهَذا قَدْ نَزِيدُ مِنْ إذْكاءِ الفِتْنَةِ التي قد تَجُرُّنا ( لا قَدَّرَ اللهُ ! ) إلى تَجْنيدِ جيشٍ يَحْمِلُ معه الكُرْهَ والبُغْضَ والعَدَاوَةَ والانتِقَامَ ضِدَّ البلادِ والعبادِ، وحَسْبُنا أنَّ بعضَ طلائِعِه قد ظَهَرَتْ هُنا وهُنَاكَ، واللهَ أسألُ أن يحفظَ البلادَ والعبادَ من الفتنِ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ . آمين !
* * *
النَّصِيْحةُ الرَّابِعَةُ : فإنِّي أُناشِدُ أهْلَ العِلْمِ ( حَفِظَهُم اللهُ ) بألاَّ يَقِفُوا عِنْدَ حَدَّ التَّجْريمِ والتَّحْريمِ لِهَذِه التَّفْجيراتِ؛ بلْ عَلَيهم أيْضًا مَعَ هذا أنْ يَقُومُوا بِوَاجِبِهم الشَّرْعِي تُجَاه هَذه الأحْداثِ، بكُلِّ حقٍّ عَلَيْهم للمُسْلِمِين : كالتَّعْلِيمِ، والنَّصِيحةِ، وفَتْحِ بابِ الحِوَارِ وصُدُورِهم ومَجَالِِسِهم لأبْناءِ المُسْلِمِيْنَ بكلِّ ما عِنْدَهم مِنْ حقٍّ أو باطلٍ مَعَ التَّوجِيْهِ والتَّصْحِيْحِ بالحُسْنَى .
كما عَلَيهم أنْ يَكُفُّوا ألْسِنَةَ وأقْلامَ الَّذِينَ يَتَسلَّلُوْنَ لِوَاذًا مِنْ خِلالِ هذه الأحْداثِ للنَّيلِ منَ الإسْلامِ وأهْلِه، وأنْ يَمْنَعُوا جُهَّالَ النَّاسِ وسُفَهاءهم مِنَ المُشَارَكةِ في مِثْلِ هذه النَّوازِلِ، إلاَّ بعلمٍ وحِلمٍ ونَزَاهةٍ ومِصْداقِيَّةٍ، أمَّا مَنْ كان مِنْ أهْلِ الفَسَادِ ممَّن له سَوَابقُ ضِدَّ الإسلامِ فلا يَحِلُّ له الخَوْضَ فيما نَحْنُ فيه، لاسيما أنَّ مُجْتمعنا في هذِه البلادِ (وللهِ الحَمْدُ) مَليءٌ بالعُلَماءِ وطُلابِ العِلْمِ، والعُقَلاءِ النَّاصِحِيْنَ، والحُكَماءِ الأكْفَاءِ !
* * *
النَّصِيْحةُ الخامِسَةُ : فإنَّي أُوْصِي نَفْسي أوَّلاً، ثُمَّ وُلاةَ الأمْرِ بأنْ يَتَّقُوا اللهَ تَعَالى في السِّرِّ والعَلَنِ، وأن يَسْعَوْا جَمِيعًا في تَحصيلِ المَصالِحِ أو تَكْميلِها، وتعطيلِ المَفَاسدِ أو تقلِيْلِها، بكلِّ ما يَسْتَطِعُوْنَ، وذَلِكَ بِحَمْلِ الرَّعِيَّةِ عَلَى أحْكامِ الشَّرْعِ، أمْرًا ونَهْيًا : كتَعْزيزِ أهْلِ الحُسْبةِ، ونَشْرِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ بَيْنَ أبْنَاءنا بِكُلِّ ما يَسْتَطِعُوْنَ، ومَنْعِ كُلِّ مَا فِيْهِ شَرٌّ وفَسَادٌ ظَاهِرٌ، والأخْذِ على أيْدِي العابِثِيْنَ بدِيْنِنا وبِلادِنا مِنَ العِلْمانِيِّيْنَ والمُفْسِدِيْنَ وغَيْرِهِم .
فعندئذٍ لا نَغْتَرَّ ( والحَالَةُ هَذِه ) بما يُدَنْدِنُ به العِلْمانِيُّونَ وغيرُهم مِنْ أعْداءِ الدِّينِ مِنْ مُهَاجَمَةِ دِيْنِنا ومَنَاهِجِنا، فَتَاريخُ الأمَّةِ الإسلاميةِ شَاهدٌ على أنَّها كُلَّما ضَعُفَتْ أو تَزَعْزَعَ أمْنُها، أو قَوِيَ عدوُّها ... نَجِدُها لا تتأخَّرُ سَاعةً في تَقْوِيةِ ونَشْرِ العِلْمِ الشَّرْعي بَيْنَ أبنائِها وهَكَذا .
وليَعْلَمُوا يَقِيْنًا : أنَّه لا عِزَّةَ لِلْمُسْلِمِيْنَ إلاَّ بِالإسْلامِ، ولا قِيَامَ لِمُلْكِهِم إلاَّ بطَاعَةِ رَعِيَّتِهم، ولا طَاعَةَ لرَعِيَّتِهم إلاَّ بِحَمْلِهم عَلَى الكِتَابِ والسُّنةِ !
* * *
وأخْيَرًا؛ فأسْألُ اللهَ تَعَالَى أنْ يَحْفَظَ لَنا دِيْنَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أمْرِنا، ودُنْيانا الَّتِي فِيْها مَعَاشُنا، وأنْ يَحْفَظَ العِبَادَ والبَلادَ مِنَ الفِتَنَ ما ظَهَرَ مِنْها وما بَطَنَ، وأنْ يَهْدِيَ ضَالَّ المُسْلِمِيْنَ وأنْ يَرُدَّهُم إلى الحَقِّ رَدًّا جَمِيْلاً . آمِيْن !
فَهَذا ما أمْلاهُ القَلَمُ عَلى وَجْه الاخْتِصَارِ والاعْتِبَارِ، مِمَّا رَأينَاه مِنَ الحَقِّ الشَّرْعِيِّ الَّذِي أوْجَبَه اللهُ تَعَالى عَلَيْنا مِنْ بَيانٍ ونَصِيْحةٍ لاسِيَّما هذه الأيَّامُ الكَأدَاءُ .
والسَّلامُ عَلَيْكُم ورَحْمَةُ الله وبَرَكاتُه
وكتَبَهُ أخُوكَم
ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي
الطَّائِفُ
(5/3/1425هـ)
[1] ـ "المغني" ابن قدامة (9/318) .
[2] ـ "المستصفى" الغزالي (1/288)، و"إعلام الموقعين" ابن القيم (2/114) .
Tweet

