أخْبَارُ المُحَدِّثِيْنَ
الحَمْدُ لله رَبِّ العَالمِيْنَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على عَبْدِهِ ورَسُوْلِهِ الأمِيْنِ .
أمَّا بَعْدُ : فَقَدْ شَاءَ الله تَعَالى أنْ أجْرِيَ قَلَمِي في بَيَانِ «أوْهَامِ الرَّائِدِ في جَمْعِ الصَّحِيْحَيْنِ والزَّوَائِدِ»، وكَيْفَمَا كَانَ الأمْرُ فَإنَّ الكِتَابَ قَدْ خَرَجَ مَطْبُوعًا في حَجْمٍ مُتَوَسِّطٍ، ولله الحَمْدُ، ومِنْ هُنَا فَقَدْ دَعَتْني العَزِيْمَةُ إلى تَقْرِيْبِ بَعْضِ فَوَائِدِهِ، ولاسِيَّمَا الأبْوَابُ المُهِمَّةُ مِنْهُ .
لأجْلِ هَذَا؛ فَقَدْ رَأيْتُ مِنَ المُنَاسِبِ اسْتِلالَ البَابِ الأوَّلِ مِنْ كِتَابِنَا «أوْهَامِ الرَّائِدِ» ومَا ذَاكَ إلَّا لعَظِيْمِ فَائِدَتِهِ وكَبِيْرِ عَائِدَتِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِلْمِي لهَذَا البَابِ، فَهَذَا شُرُوْعُ ذِكْرِهِ، ومَنْ أرَادَهُ فلْيَنْظُرْهُ في أصْلِ كِتَابِنَا المَذْكُوْرِ آنِفًا، واللهُ المُوَفِّقُ .
* * *
أخْبَارُ المُحَدِّثِيْنَ
هَذَا بَابٌ أصِيْلٌ، وعِلْقٌ نَفِيْسٌ اجْتَثَثْتُ جُذُوْرَهُ مِنْ أطْرَافِ الذَّاكِرَةِ، وأخْبَارِ المُحَدِّثِيْنَ مِنْ جَهَابِذَةِ السُّنَّةِ والأثَرِ ، كَمَا جَاءَتْ عَنْهُم مَسْطُوْرَةً في صَفَحَاتِ سَيَرِهِم، وأخْبَارِ حَيَاتِهِم .
فَعِنْدَئِذٍ؛ جَاءَ هَذَا البَابُ تَسْلِيَةً لطُلَّابِ العِلْمِ، وتَذْكِرَةً لهُم في مَعْرِفَةِ تَارِيْخِ السُّنَّةِ عِنْدَ القَاصِدِيْنَ لحِفْظِهَا، والرَّاغِبِيْنَ في مَعْرِفَةِ أحْوَالِ رِجَالهَا ... مُنْذُ نُشُوْئِهَا عِنْدَ حُفَّاظِها مِنَ المُحَدِّثِيْنَ مَعَ تَمَدُّدِ أذَيَالهَا إلى تَارِيْخِ أهْلِ زَمَانِنَا مِنَ المُشْتَغِلِيْنَ بالسُّنَّةِ والأثَرِ .
غَيْرَ أنَّنِي هُنَا؛ لم أشَأ بَسْطَ ذِكْرِ هَذَا البَابِ بالأدِلَّةِ والشَّوَاهِدِ، أو تَمْدِيْدَ بِسَاطِهِ بالأمْثِلَةِ والقَوَاعِدِ، ومَا ذَا إلَّا أنَّ تَارِيْخَ مَرَاحِلِ الحَدِيْثِ ومَعْرِفَةِ أهْلِهِ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ قَدْ دُوِّنَتْ في غُرَرِ صَفَحَاتِ التَّارِيْخِ وكُتُبِ طَبَقَاتِ المُحَدِّثِيْنَ، في غَيْرِهَا مِنَ الكُتُبِ الَّتِي أتَتْ على أخْبَارِ ومَعَارِفِ الحَدِيْثِ وأهْلِهِ، لِذَا فَإنَّي مَا أرَدْتُ هُنَا إلَّا التَّذْكِيْرَ والتَّنْبِيْهَ عَنْ حَرْفِ أخْبَارِ وأحْوَالِ المُحَدِّثِيْنَ، لَيْسَ إلَّا!
فَعِنْدَئِذٍ؛ جَاءَ هَذَا البَابُ مُجَرَّدًا عَنِ البَسْطِ والتَّطْوِيْلِ، غَيْرَ أنَّهُ كَاشِفٌ عَنْ بَعْضِ أحْوَالِ أهْلِ الحَدِيْثِ على وَجْهِ الاخْتِصَارِ والاعْتِبَارِ، وقَدْ قِيْلَ : يَكْفِي مِنَ القِلادَةِ مَا أحَاطَ بالعُنُقِ، وبالله التَّوْفِيْقُ .
* * *
فَهَاكَ يَا طَالِبَ العِلْمِ بَعْضَ أخْبَارِ المُحَدِّثِيْنَ مِنْ خِلالِ كُتُبِهِم وسِيَرِ أخْبَارِهِم، كَي يَسْتَبِيْنَ لكُلِّ طَالِبٍ للسُّنَّةِ ورَاغِبٍ لحِفْظِهَا : مَوَاقِعَ الخَلَلِ ومَوَاطِنَ العِلَلِ الَّتِي أصَابَتْ بَعْضَ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ ممَّنْ مَضَتْ أخْبَارُهُم، ومُرُوْرًا بأهْلِ زَمَانِنَا ممَّنْ ظَهَرَتْ أسْماؤُهُم؛ حَيْثُ تَمَهَّدَتْ أخْبَارُهُم إلى خَمْسِ أحْوَالٍ، وتَحْتَ كُلِّ حَالَةٍ طَبَقَتَانِ .
لِذَا؛ فَإنَّ جَرَّ أخْبَارِ المُحَدِّثِيْنَ في هَذِهِ العُجَالَةِ لم يَكُنْ إلَّا تَمْيِيْزًا لصِدْقِ المُحَدِّثِ مِنْ تَعْرِيْضِ دَعْوَاهُ، لِذَا فَإنَّ الوُقُوْفَ مَعَ ذِكرِ أحْوَالهِم سَوْفَ يَفْتَحُ لَنَا بَابًا إلى مَعْرِفَةِ تَمْيِيْزِ المُحَدِّثِيْنَ مِنَ المُنْتَسِبِيْنَ إلَيْهِم، بَلْ سَوْفَ تَتَكَشَّفُ حَقَائِقُ مَا كَانَ لهَا أنْ تَظْهَرَ إلَّا بِشَيءٍ مِنْ مُذَاكَرَةِ أخْبَارِ المُحَدِّثِيْنَ وأحْوَالهِم قَدِيْمًا وحَدِيْثًا .
فَكَانَ والحَالَةُ هَذِهِ؛ أنْ يَعْرِفَ كُلُّ طَالِبٍ للعِلْمِ حَقِيْقَةَ انْتِسَابِهِ إلى الحَدِيْثِ وأهْلِهِ، وذَلِكَ مُكَاشَفَةِ بَعْضِ الدَّعَاوِي العَرِيْضَةِ عِنْدَ كَثِيْرٍ مِنَ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ وأهْلِهِ ممَّنِ انْتَسَبَ إلَيْهِم زُوْرًا وبُهْتَانًا، والله مِنْ وَرَاءِ القَصْدِ .
* * *
وهُنَا مُقَدِّمَاتٌ مُهِمَّاتٌ؛ جَاءَ ذِكْرُهَا للتَّنْبِيْهِ والتَّذْكِيْرِ؛ فَكَانَ مِنْهَا خَمْسُ مُقَدِّمَاتٍ :
المُقَدِّمَةُ الأوْلى : أنَّ اسْمَ الحَافِظِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ لا يَصْدُقُ إلَّا على مَنْ حَفِظَ أكْثَرَ الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ مَتْنًا وسَنَدًا، مَعَ خِلافٍ عِنْدَهُم في تَحْدِيْدِ أعْدَادِ الأحَادِيْثِ الَّتِي يَنْبَغِي حِفْظُهَا، مَا بَيْنَ مُكْثِرٍ ومُقِلٍّ .
وهَمُ مَعَ هَذَا؛ لا يَرْضَوْنَ للحَافِظِ أنْ تَنْزِلَ مَرْتَبَةُ حِفْظِهِ عَنْ جُمْلَةٍ مِنَ الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ والآثَارِ السَّلَفِيَّةِ، أيْ أنْ يَحْفَظَ في أقَلِّ أحْوَالِهِ الكُتُبَ السِّتَّةَ مَتْنًا وسَنَدًا (البُخَارِيُّ ومِسْلِمٌ والتِّرمِذِيُّ وأبو دَاوُدَ والنَّسَائيُّ وابنُ مَاجَه)، وأنْ يَكُوْنَ ضَابِطًا لمَا يَرْوِي عَالمًا بِما يَرْوِيْهِ، وهَذَا الحَدُّ للتَّقْرِيْبِ، وإلَّا فَالمَسْألَةُ اجْتِهَادِيَّةٌ مَا بَيْنِ عَالٍ ونَازِلٍ، ومَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيءٍ فَلَيْسَ لمَنْ رَامَ اسْمَ الحَافِظِ أنْ تَنْزِلَ رُتْبَةُ حِفْظِهِ عَنْ أُصُوْلِ الكُتُبِ السِّتَّةِ، سَوَاءٌ بالمُكَرَّرِ أو بالاقْتِصَارِ على المُجَرَّدِ، أي دُوْنَ تِكْرَارٍ!
فَحِيْنَئِذٍ؛ يُسَلَّمُ للطَّالِبِ : اسْمُ الحَافِظِ؛ وإلَّا دُوْنَ مَا يُرِيْدُ خَرْطُ القَتَادِ!
المُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ : أنَّ الأصْلَ في عِلْمِ الحَدِيْثِ : الفَهْمُ لا الحِفْظُ، وهَذَا مَا عَلَيْهِ أئِمَّةُ الدِّيْنِ مِنْ أهْلِ العِلْمِ والإيْمَانِ .
وقَدْ قِيْلَ : حِفْظُ حَرْفَيْنِ خَيْرٌ مِنْ سَمَاعِ وِقْرَيْنِ، وفَهْمُ حَرْفَيْنِ خَيْرٌ مِنْ حِفْظِ وِقْرَيْنِ!
وعلى هَذَا يَظْهَرُ المَقْصَدُ الشَّرعِيُّ هُنَا : وهُوَ أنَّ العِلْمَ والعَمَلَ قَرِيْنَانِ لا يَنْفَكَّانِ، وعلى هَذَا يُحْمَلُ جَمِيْعُ مَا وَرَدَ مِنْ مَعَاني العِلْمِ والقِرَاءَةِ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ.
لِذَا كَانَ مِنْ خَطِيْئَةِ بَعْضِ حُفَّاظِ الحَدِيْثِ اقْتِصَارُهُم على الحِفْظِ دُوْنَ اعْتِبَارِ الفَهْمِ أو العَمَلِ بِمَا يَحْفَظُوْنَ، كَمَا سَيَأتي بَيَانُهُ .
المُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ : أنَّ الحَافِظَ لَيْسَ بالضَّرُوْرِي أنْ يَكُوْنَ عَالمًا بِمَا يَحْفَظُهُ، لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «نَضَّرَ الله عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا ووَعَاهَا، وبَلَّغَهَا مَنْ لم يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لا فِقْهَ لَهُ، ورُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أفْقَهُ مِنْهُ ...» أخْرَجَهُ أحمَدُ وابنُ مَاجَه وغَيْرُهُمَا .
وقَالَ ﷺ : «نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيْثًا فَبَلَّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أفْقَهُ مِنْهُ ...» أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ والنَّسَائيُّ وابنُ حِبَّانَ وغَيْرُهُم .
ولكِنَّهُ مَعَ هَذَا؛ كَانَ عَلَيْهِ أنْ يَكُوْنَ على قَدْرٍ مِنَ الفِقْهِ والوَعِي الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ ظَاهِرُ الحَدِيْثِ كَيْ يَكُوْنَ عَامِلًا بِمَا يَعْلَمُ، وإلَّا كَانَ مِنَ الَّذِيْنَ ذَمَّهُمُ الله تَعَالى ورَسُوْلُهُ ﷺ، وحَذَّرَ مِنْهُمُ أئِمَّةُ الإسْلامِ مِنَ الصَّحَابَةِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ .
ثُمَّ إنَّنَا إذَا نَظَرْنَا إلى مَجْمُوْعِ الأحَادِيْثِ الَّتِي جَاءَتْ في هَذَا المَعْنَى نَجِدُ فِيْهَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَنْفِ فِيْهَا مُطْلَقَ الفِقْهِ والفَهْمِ عَنِ السَّامِعِ والمُبَلِّغِ للحَدِيْثِ، بَلْ نَفَى ﷺ عَنْهُ رُتْبَةَ الفُقَهَاءِ الَّتِي جَاءَتْ بصِيْغَةِ أفْعَلَ التَّفْضِيْلِ .
أي : أنَّهُ رُبَّما بَلَّغَ مَنْ هُوَ أفْقَهُ مِنْهُ، لا أنَّهُ رَبِيْبُ الجَهْلِ عَدِيْمُ الفَهْمِ لمَعَاني ظَاهِرِ الحَدِيْثِ، كَأنَّهُ حَامِلُ زَوَامِلَ!
يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ عَنْ هَذَا السَّامِعِ والمُبَلِّغِ : «نَضَّرَ الله عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا ووَعَاهَا»، ثُمَّ وَصَفَ حَالَ المُبَلَّغِ بقَوْلِهِ : «إلى مَنْ هُوَ أفْقَهُ مِنْهُ»، ففَرْقٌ بَيْنَ فَقِيْهٍ وأفْقَهَ، فَالأوَّلُ عِنْدَهُ قَدْرٌ مُجْمَلٌ مِنَ الفَهْمِ والإدْرَاكِ لمَا يَحْمِلُهُ مِنْ حَدِيْثٍ، والثَّاني عِنْدَهُ قَدْرٌ زَائِدٌ مِنَ الفِقْهِ عَنِ الأوَّلِ، أيْ عِنْدَهُ فَهْمٌ مُفَصَّلٌ للحَدِيْثِ، والله تَعَالى أعْلَمُ .
وبهَذَا تَجْتَمِعُ الأدِلَّةُ الشَّرعِيَّةُ الَّتِي جَاءَتْ في مَدْحِ رُوَاةِ الأحَادِيْثِ وحَامِلِيْهَا إلى مَنْ هُمْ أفْقَهَ مِنْهُم، وبَيْنَ مَنْ يَحْمِلُ الحَدِيْثَ والعِلْمَ دُوْنَ فَهْمٍ لَهُ، ولا عَمَلٍ بِهِ!
وفي هَذَا أيْضًا رَدٌّ على بَعْضِ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ مِنْ أهْلِ عَصْرِنَا ممَّنْ ذَهَبَ يُشَرِّقُ ويُغَرِّبُ بفَضْلِ مُبَلِّغِ الحَدِيْثِ، ولَوْ كَانَ أجْهَلَ مِنْ حِمَارِ أهْلِهِ فِيْمَا يَرْوِيْهِ ويُبَلِّغُهُ!
لِذَا؛ لا يَجُوْزُ للمُحَدِّثِ أنْ يَقْتَصِرَ على الرِّوَايَةِ دُوْنَ فِقْهٍ مُجْمَلٍ فِيْمَا يَرْوِيْهِ، فَضْلًا أنْ يَكُوْنَ مُكْثِرًا مِنْ رِوَايَةِ الحَدِيْثِ، ورَحَّالًا للبَحْثِ عَنْ عُلُوِّ الأسَانِيْدِ، ومُلاقَاةِ الثِّقَاتِ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ الكِبَارِ دُوْنَ قَدْرٍ مِنَ الفَهْمِ والفِقْهِ لظَاهِرِ الأحَادِيْثِ الَّتِي يَرْوِيْهَا، نَاهِيْكَ أنَّ يَكُوْنَ مُخَالِفًا بعَمَلِه لمَا يَرْوِيْهِ، عِيَاذًا بالله!
كما قَالَ الله تَعَالى : «مَثُلَ الَّذِيْنَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَ لم يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِيْنَ كَذَّبوا بآيَاتِنَا والله لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالمِيْنَ» (الجمعة : 5)، وقَالَ الله تَعَالى : «يَا أيُّهَا الَّذِيْن آمَنُوا لمَا تَقُوْلُونَ مَا لا تَفْعَلونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ الله أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» (الصف : 2-3) .
وقَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ تَعَلَّمَ العِلْمَ ليُبَاهِيَ بِهِ العُلَمَاءَ، ويُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، ويَصْرِفَ بِهِ وُجُوْهَ النَّاسِ؛ أدْخَلَهُ الله جَهَنَّمَ» أخْرَجَهُ ابنُ مَاجَه وغَيْرُهُ .
المُقَدِّمَةُ الرَّابِعَةُ : هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ الرِّوَايَةِ والدِّرَايَةِ، كَمَا يَلي باخْتِصَارٍ :
عِلْمُ الرِّوَايَةِ : هُوَ عِلْمٌ يَشْتَمِلُ على أقْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ، وأفْعَالِهِ، وتَقْرِيْرَاتِهِ، وصِفَاتِهِ، ورِوَايَتِهَا، وضَبْطِهَا، وتَحْرِيْرِ ألْفَاظِهَا، واسْتَنْبَاطِ فَوَائِدِهَا وأحْكَامِهَا .
فَهُوَ يَتَنَاوَلُ ضَبْطَ مَا نُقِلَ إلَيْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ضَبْطًا دَقِيْقًا، وذَلِكَ مِنْ حَيْثُ صَوْنِ الحَدِيْثِ مِنَ الخَطَأ والخَلَلِ عِنْدَ النَّقْلِ والرِّوَايَةِ .
وتَقْرِيْبُهُ؛ أنْ يَكُوْنَ الرَّاوِي عَالمًا بحَالِ الرَّاوِي والمَرْوِي، وفَقِيْهًا بِمَا يَرْوِي ولَوْ بِقَدْرٍ تَبْرأ بهِ الذِّمَّةُ ويَسْقُطُ بِهِ الطَّلَبُ، لا أنْ يَكُوْنَ خُلْوًا مِنَ الفَهْمِ والفِقْهِ لمَا يَرْوِيْهِ، فَهَذَا مَذْمُوْمٌ شَرْعًا، وقَدْ مَرَّ مَعَنَا .
وعِلْمُ الدِّرَايَةِ : هُوَ عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ القَوَاعِدَ المُتَعَلِّقَةَ بأحْوَالِ السَّنَدِ والمَتْنِ، وهُوَ مَا يُسَمَّى بمُصْطَلَحِ الحَدِيْثِ وعُلُوْمِهِ، ومِنْ خِلالِهِ يُتَوَصَّلُ إلى مَعْرِفَةِ مَقْبُوْلِ الرِّوَايَةِ مِنْ مَرْدُوْدِهَا، ومِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُهُم : إنَّ بَيْنَ الرِّوَايَةِ والدِّرَايَةِ خُصُوْصٌ وعُمُوْمٌ، وأيًّا كَانَ الأمْرُ فَهُما عِلْمَانِ مُتَلازِمَانِ لا يَنْفَكُّ أحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ في الجُمْلَةِ .
غَيْرَ أنَّ عَامَّةَ أهْلِ العِلْمِ قَدْ عَابُوا كُلَّ مَنِ اقْتَصَرَ على عِلْمِ الدِّرَايَةِ (مُصْطَلَحِ الحَدِيْثِ)، مِنْ غَيْرِ أنْ يَسْعَوا إلى حِفْظِ السُّنَّةِ، ويَشْتَغِلُوا باسْتِنْبَاطِ أحْكَامِهَا، ويَنْظُرُوا إلى فِقْهِهَا!
المُقَدِّمَةُ الخَامِسَةُ : هُنَاكَ فَرْقٌ ظَاهِرٌ بَيْنَ قَوْلِنَا : عَصْرُ المُحَدِّثِيْنَ، وبَيْنَ أحْوَالِ المُحَدِّثِيْنَ .
فعُصُوْرُ المُحَدِّثِيْنَ : يُرَادُ بِهَا غَالِبًا ذِكْرُ تَارِيْخِ أهْلِ الحَدِيْثِ، وتَمْيِيْزُ عُصُوْرِهِم ومَرَاحِلِهِم العِلْمِيَّةِ على التَّرْتِيْبِ الزَّمَنِي، ابْتِدَاءً بعَصْرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ الله عَنْهُم إلى عَصْرِنَا، فَهِيَ في الحَقِيْقَةِ رَصْدٌ تَارِيخِيٌّ أكْثَرَ مِنْهَا تَمْيِزًا للحَالاتِ الَّتِي مَرَّ بِهَا أهْلُ الحَدِيْثِ .
وهَذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ : بعَصْرِ الرِّوَايَةِ والنُّشُوْءِ، ثُمَّ عَصْرِ التَّدْوِيْنِ، ثُمَّ عَصْرِ التَّألِيْفِ والاكْتِمَالِ، ثُمَّ عَصْرِ الرُّكُوْدِ والتَّقْلِيْدِ، ثُمَّ عَصْرِ اليَقْظَةِ والظُّهُوْرِ، ثُمَّ عَصْرِ إحْيَاءِ المَخْطُوْطَاتِ وتَحْقِيْقِهَا، وهَكَذَا .
أمَّا أحْوَالُ المُحَدِّثِيْنَ : فالمُرَادُ مِنْهَا هُنَا ذِكْرُ الظُّرُوْفِ والحَالاتِ الَّتِي تَعْتَرِي أهْلَ الحَدِيْثِ مِنْ حَيْثُ القِلَّةِ والكَثْرَةِ، والقُوَّةِ والضَّعْفِ، والصِّدْقِ في الانْتِسَابِ إلى الحَدِيْثِ مِنَ الادِّعَاءِ الكَاذِبِ ... فَهَذِهِ الأحْوَالُ الَّتِي ذَكَرْتُ لا تَخْلُو مِنْ عَصْرٍ مِنْ عُصُوْرِ الرِّوَايَةِ، ولا يَخْلُو مِنْهَا أهْلُ الحَدِيْثِ؛ ومَا ذَاكَ إلَّا لكَوْنِهَا أعْرَاضًا وحَالاتٍ تَمُرُّ ببَعْضِ أصْحَابِ الحَدِيْثِ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا .
لِذَا؛ لم يَكُنْ أصْحَابُ هَذِهِ الحَالاتِ على حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ قَدْ يَكْثُرُوْنَ في زَمَنٍ ويَقِلُّوْنَ في آخَرَ، كَمَا سَيَأتي .
* * *
وأخِيْرًا؛ فَإلى الشُّرُوْعِ في ذِكْرِ أحْوَالِ المُحَدِّثِيْنَ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا على وَجْهِ الاخْتِصَارِ والاعْتِبَارِ، ومَنْ أرَادَهَا مُفَصَّلَةً فلْيَنْظُرْهَا إنْ شَاءَ الله تَعَالى في كِتَابِ : «أخْبَارِ المُحَدِّثِيْنَ»، أسْألُ الله تَعَالى أنْ يُعِيْنَنِي على تَحْرِيْرِهِ وإخْرَاجِهِ آمِيْنَ!
الحَالَةُ الأوْلى : عَصْرُ الرِّوَايَةِ والدِّرَايَةِ مِنْ أهْلِ العِلْمِ والإيْمَانِ مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِيْنَ ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّيْنِ .
فَهَؤلاءِ : هُمْ أهْلُ السَّلامَةِ والاسْتِقَامَةِ، وأهْلُ العَدَالَةِ والأمَانَةِ، ممَّنْ ذَاعَ ذِكْرُهُم في الخَافِقَيْنِ، وظَهَرَ عِلْمُهُم في المَشْرِقَيْنِ؛ حَيْثُ حَازُوا قَصَبَ السَّبْقِ في حِفْظِ السُّنَّةِ، ، وفَازُوا بالقِدْحِ المُعَلَّى في الفِقْهِ والعِلْمِ، فَكَانُوا أعْلَمَ النَّاسِ بالحَلالِ والحَرَامِ .
وأمَّا بَسْطُ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي جَاءَتْ في ذِكْرِ فَضْلِ أصْحَابِ هَذِهِ الحَالَةِ فَكَثِيْرَةٌ جِدًّا، لا يَسَعُهَا هَذَا البَابُ المُخْتَصَرُ .
لِذَا؛ كَانُوا على السَّدَادِ والاعْتِدَالِ فِيْمَا يَرْوُونَ ويُحَدِّثُوْنَ، وفِيْمَا يَقُوْلُوْنَ ويَفْعَلُوْنَ؛ حَيْثُ جَمَعُوا بَيْنَ رِوَايَةِ الحَدِيْثِ ودِرَايَتِهِ : فِقْهًا وعِلْمًا، قَوْلًا وعِلْمًا ... وعَلَيْهِ لم يُغَلِّبُوا جَانِبًا على آخَرَ، ولم يَسْتَأثِرُوا برِوَايَةٍ على دِرَايَةٍ، ولم يُقَدِّمُوا حِفْظًا على فَهْمٍ ... وهُمْ مَعَ هَذَا مَا بَيْنَ مُسْتَقِلٍّ ومُسْتَكْثِرٍ، لِذَا كَانُوا طَبَقَتَيْنِ :
الطَّبَقَةُ الأوْلى : المُكْثِرُوْنَ في الرِّوَايَةِ والحِفْظِ، فَهَؤلاءِ هُم حُفَّاظُ الحَدِيْثِ ومُسْنِدُوْهُ، مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِيْنَ ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّيْنِ، وعَلَيْهِم مَدَارُ الحَدِيْثِ، وإلَيْهِم تَرْجَعُ الأسَانِيْدُ وطُرُقُهَا، ومِنْهُم يُتَلَقَّى فِقْهُ الدِّيْنِ وحِفْظُ سُنَّةِ سَيِّدِ المُرْسَلِيْنَ، ابْتِدَاءً بالخُلَفَاءِ الأرْبَعَةِ، وأبي هُرَيْرَةَ وابنِ عَبَّاسٍ وابنِ عُمَرَ وابنِ عَمْرٍو وابنِ مَسْعُوْدٍ وأبي مُوَسَى وأنَسٍ وعَائِشَةَ في غَيْرِهِم مِنْ كِبَارِ حُفَّاظِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ الله عَنْهُم، ومُرُوْرًا بكِبَارِ حُفَّاظِ الحَدِيْثِ مِنَ التَّابِعِيْنَ وتَابِعِيْهِم بإحْسَانٍ، مِنْ أهْلِ الحَدِيْثِ والفِقْهِ في الدِّيْنِ، وهَكَذَا في مَنْظُوْمَةٍ مِنْ حُفَّاظِ السُّنَّةِ والأثَرِ مِنْ بَقَايَا أهْلِ العُصُوْرِ المُتَأخِّرَةِ مِنْ أهْلِ العِلْمِ والإيْمَانِ ممَّنْ جَمَعُوا بَيْنَ العِلْمِ والعَمَلِ، وبَيْنَ الرِّوَايَةِ والدِّرَايَةِ .
الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ : المُقِلُّوْنَ في الرِّوَايَةِ والحِفْظِ، ابْتِدَاءً ببَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ الله عَنْهُم، وانْتِهَاءً بمَنْ تَبِعَهُم إلى يَوْمِ الدِّيْنِ، فَهَؤلاءِ هُمْ أيْضًا على سَنَنِ ومَنْهَجِ إخْوَانِهِم السَّابِقِيْنَ مِنْ أهْلِ الرِّوَايَةِ والدِّرَايَةِ .
وأنَا هُنَا لا أُرِيْدُ التَّوَسُّعَ جَرْيًا في ذِكْرِ أخْبَارِ أصْحَابِ الطَّبَقَتَيْنِ، أو الوُقُوْفَ على شَيءٍ مِنْ أخْبَارِ حِفْظِهِم وقُوَّةِ فَهْمَهِم، فَمَنْ أرَادَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فلْيَنْظُرْهُم في كِتَابِ «تَذْكِرَةِ الحُفَّاظِ» للذَّهَبِيِّ رَحِمَهُ الله، وغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ رِجَالِ الحَدِيْثِ .
وهَكَذَا مَضَى أهْلُ القُرُوْنِ الثَّلاثَةِ المُفَضَّلَةِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ على السَّدَادِ والاعْتِدَالِ في حِفْظِ السُّنَّةِ وفِقْهِهَا؛ حَتَّى جَاءَ بَعْدَهُم مَنْ لَيْسَ على جَادَّتِهِم في عُلُوْمِ الحَدِيْثِ، وهَكَذَا في تَرَاجُعٍ ظَاهِرٍ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيْثِ؛ حَتَّى مَرَّتْ على الأُمَّةِ عُصُوْرٌ لَيْسَ فِيْهَا مِنَ المُعْتَنِيْنَ بالحَدِيْثِ والسُّنَّةِ إلَّا قَلائِلُ مِنْ بَقَايَا أهْلِ السُّنَّةِ، ولاسِيَّما في العُصُوْرِ المُتَأخِّرَةِ، يُوَضِّحُهُ مَا يَلي .
* * *
الحَالَةُ الثَّانِيَةُ : عَصْرُ المُغَالَبَةِ والمُجَانَبَةِ؛ حَيْثُ ظَهَرَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ ممَّنْ اشْتَغَلَ بالحَدِيْثِ والسُّنَّةِ، إلَّا أنَّهُم كَانُوا للأسَفِ مَا بَيْنَ مُغَالَبَةٍ ومُجَانَبَةٍ في رِوَايَةِ الحَدِيْثِ وفِقْهِهِ، فعنْدَئِذٍ غَدَوْا على حَرْدٍ قَادِرِيْنَ، فكَانَ مِنْهُم مَنْ غَلَّبَ رِوَايَةَ الحَدِيْثِ وجَانَبَ الفِقْهَ في الجُمْلَةِ، ومِنْهُم مَنْ غَلَّبَ الفِقْهَ وجَانَبَ رِوَايَةِ الحَدِيْثِ في الجُمْلَةِ، فَكَانُوا والحَالَةُ الَّتِي ذَكَرْتُ طَبَقَتَيْنِ :
الطَّبَقَةُ الأوْلى : أهْلُ رِوَايَةِ الحَدِيْثِ، ممَّنْ غَلَّبَ جَانِبَ الرِّوَايَةِ على الفِقْهِ، وهُمْ طَائِفَةٌ مُنْتَسِبَةٌ إلى أهْلِ الحَدِيْثِ، مَعَ غَفْلَةٍ لَدَيْهِم عَنْ فِقْهِ الحَدِيْثِ حُكْمًا واسْتِنْبَاطًا؛ بحَيْثُ اشْتَغَلُوا بحِفْظِ الأحَادِيْثِ وجَمْعِ طُرُقِهَا، والتَّوَسُّعِ في رِوَايَتِهَا وسَمَاعِهَا .
لأجْلِ هَذَا سَعَوْا جَاهِدِيْنَ في طَلَبِ الرِّحْلَةِ والتِّرْحَالِ بَيْنَ الفَيَافي والبُلْدَانِ طَلَبًا لحِفْظِ الأحَادِيْثِ وجَمْعِ طُرُقِهَا؛ حَتَّى غَالى بَعْضُهُم وتَوَسَّعَ في البَحْثِ عَنْ عُلُوِّ الأسَانِيْدِ ومُكَاثَرَتِهَا، واللُّقِيِّ بحُفَّاظِ الأحَادِيْثِ ورُوَاتِهَا؛ حَتَّى جَابُوا مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَثِيْرًا مِنَ الأمْصَارِ، فَعِنْدَهَا أقَامُوا مَجَالِسَ الرِّوَايَةِ والسَّمَاعِ والعَرْضِ والتَّحْدِيْثِ ... فَكَانَ غَالِبُ عِلْمِهِم في حِفْظِ الأحَادِيْثِ وجَمْعِهَا مَعَ قِلَّةٍ في فِقْهِهَا واسْتِنْبَاطِ أحْكَامِهَا، فَكَانُوا لا يُمَيِّزُوْنَ بَيْنَ صَحِيْحِ الحَدِيْثِ وضَعِيْفِهِ، ولا بَيْنَ مَحْفُوْظِهِ وشَاذِّهِ، ولا بَيْنَ مَقْبُوْلِهِ ومَعْلُوْلِهِ ... فَهُمْ كَحَاطِبِ لَيْلٍ، لَيْسَ لَهُم مِنَ الحَدِيْثِ إلَّا التَّقْمِيْشُ والتَّجْمِيْعُ، لا التَّفْتِيْشُ والتَّمْيِيْزُ!
كُلَّ ذَلِكَ مِنْهُم للأسَفِ : ليَسْلَمَ لهُم بَابُ التَّكَاثُرِ في حِفْظِ الأحَادِيْثِ والمُكَاثَرَةِ في جَمْعِهَا، وكَيْ تَحْلُوْا لهُم أيْضًا مَجَالِسُ التَّنَافُسِ والمُنَاظَرَةِ في تَحْصِيْلِ الأحَادِيْثِ وعُلُوِّ أسَانِيْدِهَا .
ومِنْ هُنَا؛ جَاءَتْ كَلِمَةُ أهْلِ العِلْمِ الرَّبَّانِيِّيْنَ مُحَذِّرَةً مِنْ مَسَالِكِ طَرَائِقِهِم، ومُبَيِّنَةً خَطَرَ مَنْهَجِهِم، وكَاشِفَةً خَطَأ مَوْقِفِهِم مِنَ الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ، فَعِنْدَئِذٍ صَاحُوْا بِهِم تَحْذِيْرًا وتَشْهِيْرًا، وبَيَّنُوا خَطَأهم ومَيَّزُوا أغْلاطَهُم، وسَيَأتي لأصْحَابِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ بَعْضُ التَّفْصِيْلِ إنْ شَاءَ الله .
الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ : أهْلُ الفِقْهِ، ممَّنْ غَلَّبَ جَانِبَ الفِقْهِ على رِوَايَةِ الحَدِيْثِ، وهُمْ طَائِفَةٌ مُنْتَسِبَةٌ إلى أهْلِ الفِقْهِ؛ بحَيْثُ اشْتَغَلُوا بالفِقْهِ حُكْمًا واسْتِنْبَاطًا، قِيَاسًا وتَخْرِيْجًا، تَأوِيْلًا وتَعْلِيْلًا ... مَعَ غَفْلَةٍ عِنْدَهُم عَنِ مَعْرِفَةِ الاسْتِدْلالِ بالأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةِ والضَّعْفِ، كَمَا سَيَأتي بَيانُهُ.
لأجْلِ هَذَا سَعَوْا جَاهِدِيْنَ في حِفْظِ المُتُوْنِ الفِقْهِيَّةِ والوُقُوْفِ مَعَ شُرُوْحِهَا وتَخْرِيْجِ فُرُوْعِهَا مَا بَيْنَ تَقْرِيْرٍ لهَا أو حَاشِيَةٍ عَلَيْهَا ... وهَكَذَا سَارَتْ ببَعْضِهِم كُتُبُ الفِقْهِ وشُرُوْحُهَا بَعِيْدًا عَنْ مَعْرِفَةِ الاسْتِدَلالِ بالأحَادِيْثِ الصَّحِيْحَةِ، لِذَا كَانَ أمْثَلُهُم طَرِيْقَةً في الاسْتِدْلالِ مَنْ كَانَ مِنْهُم يُقَلِّدُ مَنْ سَبَقَهُ في ذِكْرِ الأحْادِيْثِ والاسْتِشْهَادِ بِهَا عِنْدَ حُكْمِ المَسْألَةِ الفِقْهِيَّةِ، غَيْرَ أنَّهُ لا يُمَيِّزُ صَحِيْحَ الحَدِيْثِ مِنْ ضَعِيْفِهِ، بَلْ لَيْسَ لَهُ في الاسْتِدْلالِ إلَّا النَّقْلُ ممَّنْ سَبَقَهُ مِنْ فُقَهَاءِ مَذْهَبِهِ .
ومِنْ هُنَا؛ حَدَثَ عِنْدَهُم خَلَلٌ في مَنْهَجِ التَّلَقِّي في التَّعَامُلِ مَعَ الحَدِيْثِ النَّبَوِيِّ، وعلى ذَلِكَ حَدَثَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ (أهْلِ الحَدِيْثِ وأهْلِ الفِقْهِ) مُنَازَعَاتٌ ومُخَاصَمَاتٌ، بَلْ وَصَلَ الأمْرُ ببَعْضِهِم أنَّهُ جَهَّلَ الآخَرَ وظَنَّ بِهِ، وهَكَذَا في مَنْظُوْمَةٍ مِنَ الرُّدُوْدِ والتَّنْدِيْدِ ببَعْضِهِم بَعْضًا؛ إلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي .
فعِنْدَهَا خَرَجَتْ بَعْضُ الكُتُبِ الحَدِيْثِيَّةِ النَّاصِرَةِ للمَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ؛ حَيْثُ اجْتَهَدَ أصْحَابُهَا مِنَ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ في نُصْرَةِ مَذْهَبِهِم الفِقْهِيِّ بالأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ صَحِيْحَةً أو ضَعِيْفَةً، أو كَانَتْ مَقْبُوْلَةً أو مَعْلُوْلَةً، بَلْ وَصَلَ الحَالُ ببَعْضِهِم أنَّهُ إذَا مَا اسْتَدَلَّ بحَدِيْثٍ ليَنْصُرَ بِهِ مَسْألَةً فِقْهِيَّةً في مَذْهَبِهِ، قَامَ يُشَرِّقُ ويُغَرِّبُ في تَصْحِيْحِ حَدِيْثِهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ، ولَوْ كَانَ ضَعِيْفًا مَعْلُوْلًا مُطَّرِحًا بالمَرَّةِ، وفي المُقَابِلِ تَرَاهُ لا يَسْتَأخِرُ جَاهِدًا في تَضْعِيْفِ حَدِيْثِ مُخَالِفِهِ في المَذْهَبِ بكُلِّ مَا يَمْلِكُ، ولَوْ كَانَ حَدِيْثُ مُخَالِفِهِ صَحِيْحًا، بَلْ كَانَ مِنَ الحِنْثِ العَظِيْمِ أنَّ بَعْضَهُم يَقُوْلُ عَنْ أدِلَّةِ وأحَادِيْثِ مُخَالِفِهِ في المَذْهَبِ : وهَذِهِ أدِلَّةُ الخَصْمِ، فالله المُسْتَعَانُ!
ولَيْسَ هَذَا مَحَلَّ ذِكْرِ تِلْكُمُ الكُتُبِ الَّتِي جَنَحَ بِهَا أصْحَابُهَا إلى مُنَاصَرَةِ مَذْاهِبِهِم، والانْتِصَارِ لأقْوَالِ أصْحَابِهِم، وسَيَأتي ذِكْرُهَا وبَيَانُ مَنَاهِجِ أصْحَابِهَا في أصْلِ كِتَابِنَا إنْ شَاءَ الله تَعَالى .
فعِنْدَئِذٍ لمَّا تَفَاقَمَ الأمْرُ عِنْدَ أصْحَابِ هَذِهِ المَرْحَلَةِ مِنْ مَدِّ بِسَاطِ الخُصُوْمَةِ، وجَرِّ ذُيُوْلِ المُغَالَطَةِ، خَرَجَ عِنْدَهَا عُلَمَاءُ رَبَّانِيُّوْنَ قَدْ أخَذُوا بأزِمَّةِ الحَدِيْثِ والفِقْهِ جنبًا بجَنْبٍ، يُوَضِّحُهُ مَا يَلي .
* * *
الحَالَةُ الثَّالِثَةُ : عَصْرُ التَّصْحِيْحِ والتَّوْضِيْحِ؛ حَيْثُ خَرَجَ أئِمَّةٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ والإيْمَانِ في التَّصْحِيْحِ والتَّوْفِيْقِ بَيْنَ أهْلِ الطَّائِفَتَيْنِ المُتَنَازِعَتَيْنِ مِنْ أهْلِ الحَدِيْثِ وأهْلِ الفِقْهِ، إلَّا أنَّ أصْحَابَ هَذِهِ المَرْحَلَةِ التَّصْحِيْحِيَّةِ لم يَكُوْنُوا على مَنْهَجٍ وَاحِدٍ ومَشْرَبٍ وَارِدٍ، بَلْ كَانُوا على طَبَقَتَيْنِ أيْضًا :
الطَّبَقَةُ الأوْلى : مِنْهُم مَنْ جَمَعَ ووَفَّقَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ بطَرِيْقَةٍ مَرْضِيَّةٍ، ومَنْهَجِيَّةٍ سَلَفِيَّةٍ، وهِيَ الأخْذُ بالحَدِيْثِ والفِقْهِ جَنْبًا إلى جَنْبٍ، ولم يُفَرِّقُوا بَيْنَهُما لا مِنْ قَرِيْبٍ ولا مِنْ بَعِيْدٍ، بَلْ كَانُوا لا يَذْكُرُوْنَ حُكْمًا شَرْعِيًّا إلَّا وذَكَرُوا حَدِيْثَهُ مَعَ بَيَانِ صِحَّتِهِ أو ضَعْفِهِ، فَكَانَ لهُم عِنَايَةٌ بالأحَادِيْثِ مِنْ حَيْثُ التَّصْحِيْحِ والتَّضْعِيْفِ، ومِنْ حَيْثُ القَبُوْلِ والرَّدِّ، لِذَا كَانُوا على مَنْهَجِ وطَرِيْقَةِ السَّلَفِ الصَّالحِ مِنْ أصْحَابِ المَرْحَلَةِ الأوْلى حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ .
ومِنْ هَؤلاءِ الأئِمَّةِ الَّذِيْنَ جَمَعُوا ووُفِّقُوا بَيْنَ الحَدِيْثِ والفِقْهِ : أبُو سُلَيْمَانَ الخَطَّابي (388)، والبَيْهَقِيُّ (458)، وابنُ عَبْدِ البَرِّ (463)، والخَطِيْبِ البَغْدَادِيِّ (463)، وأبو بَكْرٍ ابنُ العَرَبيِّ (543)، والنَّوَوِيُّ (676)، وابنُ قُدَامَةَ الحَنْبَليُّ (620)، وابنُ تَيْمِيَّةَ (728)، وابنُ القَيِّمِ (751)، والذَّهَبيُّ (748)، والشَّاطِبيُّ (790)، وابنُ حَجَرٍ (852)، وغَيْرَهُم كَثِيْرٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ الرَّبَّانِيِّيْنَ، لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ ذِكْرِهِم .
فَعِنْدَئِذٍ؛ اتَّصَفَ أصْحَابُ هَذِهِ الطَّبَقَةِ بسِمَاتٍ مَيَّزَتْهُم عَنْ غَيْرِهِم، فمِنْهَا أمْرَانِ :
الأمْرُ الأوَّلُ : أنَّهُم لا يَسْتَدِلُّونَ بالحَديْثِ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ صَحِيْحِهِ مِنْ ضَعِيْفِهِ، ومَقْبُوْلِهِ مِنْ مَعْلُوْلِهِ، ونَاسِخِهِ مِنْ مَنْسُوْخِهِ، وهَكَذَا .
الأمْرُ الثَّاني : أنَّهُم على مَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ في طَرِيْقَةِ وفَهْمِ وفِقْهِ النُّصُوْصِ الشَّرْعِيَّةِ، فَكَانُوا لا يَتَجَاوَزُوْنَ فَهْمَ السَّلَفِ للنُّصُوْصِ الشَّرْعِيَّةِ، سَوَاءٌ في الاسْتِنْبَاطِ أو الاسْتِدْلالِ، حُكْمًا وتَأوِيْلًا، فِقْهًا وتَوْجِيْهًا ... إلَّا مَا دَعَتْ إلَيْهِ الحَاجَةُ أو الضَّرُوْرَةُ كحُكْمِهِم على النَّوَازِلِ الحَادِثَةِ، وكقِيَاسِهِم الصَّحِيْحِ على أحْكَامِ مَنْ سَبَقَهُم، وهَكَذَا في مَنْظُوْمَةٍ مِنَ الفِقْهِ السَّلَفِيِّ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ .
الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ : مِنْهُم مَنْ حَاوَلَ الجَمْعَ والتَّوْفِيْقَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ (أهْلِ الحَدِيْثِ والفِقْهِ)، وهِيَ الأخْذُ بالحَدِيْثِ والفِقْهِ جَنْبًا إلى جَنْبٍ، مَثَلُهُم مَثَلُ مَنْ سَبَقَهُم مِنْ أهْلِ الطَّبَقَةِ الأوْلى، إلَّا أنَّهُم مَعَ هَذَا لم يَسْلُكُوا طَرِيْقَتَهُم المَرْضِيَّةَ في الجَمْعِ والتَّوْفِيْقِ، ولم يَأخُذُوا بمَنْهَجِهِم في الحُكْمِ على الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ تَصْحِيْحًا وتَضْعِيْفًا في الجُمْلَةِ، يُوَضِّحُهُ أمْرَانِ :
الأمْرُ الأوَّلُ : أنَّهُم لم يَأخُذُوا بمَنْهَجِ المُتَقَدِّمِيْنَ مِنْ أئِمَّةِ السَّلَفِ في الحُكْمِ على الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ؛ مِنْ حَيْثُ الصِّنَاعَةِ الحَدِيْثِيَّةِ، بَلْ كَانَ لهُم بَعْضُ القَوَاعِدِ في التَّصْحِيْحِ والتَّضْعِيْفِ، ولهُم أيْضًا نَهْجٌ مُغَايِرٌ في الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ، ولهُم بَعْضُ الضَّوَابِطِ والتَّصَوُّرَاتِ في مُحَاكَمَةِ الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ والآثَارِ السَّلَفِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الرَّدِّ والقَبُوْلِ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهَا، فَهَذَا شَأنُهُم في الحُكْمِ على الأحَادِيْثِ، أمَّا حُكْمُهُم في الفِقْهِ، فَكَمَا يَأتي .
الأمْرُ الثَّاني : أنَّهُم في الفِقْهِ قَدْ خَالَفُوا كَثِيْرًا مِنْ مَنْهَجِ سَلَفِ هَذِهِ الأمَّةِ في طَرِيْقَةِ الاسْتِدْلالِ وطَرِيْقَةِ الاسْتِنْبَاطِ، وذَلِكَ عِنْدَمَا أنْكَرُوا القِيَاسَ بَعْدَ إنْكَارِهِم للعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ، لهَذَا وَقَعُوا في بَعْضِ التَّنَاقُضَاتِ الفِقْهِيَّةِ، والمُغَالَطَاتِ الأصُوْلِيَّةِ، ممَّا أنْكَرَ عَلَيْهُم أهْلُ العِلْمِ سَلَفًا وخَلَفًا .
فَكَانَ على رَأسِ المُنْكِرِيْنَ للعِلَّةِ والقِيَاسِ مِنْ أهْلِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ أصْحَابُ المَدْرَسَةِ الظَّاهِرِيَّةِ : وعلى رَأسِهِم أبو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ بنُ عليٍّ الأصْبَهَانيُّ الظَّاهِرِيُّ (270)، وأبو مُحَمَّدٍ ابنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ (456)، وغَيْرَهُم مِنْ أهْلِ الظَّاهِرِ المُعَاصِرِيْنَ .
وهَكَذَا لم يَسْلَمْ بَعْضُ أهْلِ عَصْرِنَا مِنَ المُنْتَسِبِيْنَ إلى أهْلِ الحَدِيْثِ وغَيْرِهِم مِنْ إفْرَازَاتِ الظَّاهِرِيَّةِ ولَوْ بِشَيءٍ مِنَ الاسْتِدْلالِ في اسْتِنْبَاطِ الأحْكَامِ الفِقْهِيَّةِ والعَقَدِيَّةِ ... وذَلِكَ عِنْدَ وُقُوْفِهِم إلى ظَاهِرِ الحَدِيْثِ صِحَّةً وضَعْفًا لا غَيْرَ، دُوْنَ النَّظَرِ إلى الأُصُوْلِ الفِقْهِيَّةِ، وطَرِيْقَةِ الاسْتِنْبَاطِ عِنْدَ الفُقُهَاءِ المُتَقَدِّمِيْنَ مِنْ أئِمَّةِ السَّلَفِ .
ومَنْ أرَادَ جِلْيَةَ الأمْرِ فلْيَنْظُرْ إلى كَثِيرٍ مِنَ الكُتُبِ (والكُتَيِّبَاتِ) الفِقْهِيَّةِ، وإلى تِلْكُمُ الدِّرَاسَاتِ الفِقْهِيَّةِ الَّتِي لم يَزَلْ يُخْرِجُهَا بَعْضُ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ مِنْ أهْلِ زَمَانِنَا بَيْنَ الفَيْنَةِ والأُخْرَى : لِيَرَى بعَيْنِهِ مَسْحَةَ الظَّاهِرِيَّةِ على مُحَيَّاهَا، ولاسِيَّما في طَرِيْقَتِهِم في الاسْتِشْهَادِ بالدَّلائِلِ، وفي تَوْظِيْفِهَا عِنْدَ اسْتِنْبَاطِ المَسَائِلِ، والله المُسْتَعَانُ .
وقَدْ قَالَ الإمَامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ الله تعالى (241) : «إيَّاكَ أنْ تَتَكَلَّمَ بكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَيْسَ لَكَ فِيْهَا إمَامٌ»، أيْ : أنْ يَكُوْنَ لَكَ سَلَفٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ المُعْتَبَرِيْنَ مِنْ أئِمَّةِ الإسْلامِ .
وقَالَ أيْضًا رَحِمَهُ الله : «يَنْبَغِي لمَنْ أفْتَى أنْ يَكُوْنَ عَالمًا بقَوْلِ مَنْ تَقَدَّمَ، وإلَّا فَلا يُفْتِي» انْتَهَى .
* * *
الحَالَةُ الرَّابِعَةُ : عَصْرُ التَّعْرِيْفِ والتَّطْفِيْفِ، وهَؤلاءِ أيْضًا طَبَقَتَانِ :
الطَّبَقَةُ الأوْلى : أهْلُ التَّعْرِيْفِ (الاصْطِلاحِيُّوْنَ)، أيْ أهْلُ مُصْطَلَحِ الحَدِيْثِ ممَّنْ اشْتَغَلَ بمَعْرِفَةِ مُصْطَلَحَاتِ الحَدِيْثِ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا مِنْ خِلالِ مَعْرِفَةِ ودِرَاسَةِ كُتُبِ «عُلُوْمِ الحَدِيْثِ»، المَعْرُوْفَةُ تَحْتَ مُسَمَّى : «مُصْطَلَحِ الحَدِيْثِ»([1])، وذَلِكَ بالنَّظَرِ فِيْهَا، والوُقُوْفِ عِنْدَهَا، لَيْسَ إلَّا .
ونَحْنُ هُنَا لا نُقَلِّلُ مِنْ شَأنِ كُتُبِ «عُلُوْمِ الحَدِيْثِ»، ولا نَغْمِزُ في كُلِّ مَنَ نَظَرَ فِيْهَا! لكِنَّنَا نُرِيْدُ هُنَا أنْ نُبَيِّنَ أنَّ ظَاهِرَ عِلْمِ بَعْضِ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ مِنْ أهْلِ زَمَانِنَا هُم مِنَ المُعْتَنِيْنَ بالمُصْطَلَحِ .
وأدَلُّ شَيءٍ على ذَلِكَ أنَّ غَالِبَ تَآلِيْفِهِم وتَصَانِيْفِهِم، وأكْثَرَ تَحْقِيْقَاتِهِم وتَحْرِيْرَاتِهِم، وأشْهَرَ دُرُوْسِهِم وتَدْرِيْسِهِم مَا كَانَتْ حَوْلَ كُتُبِ «مُصْطَلَحِ الحَدِيْثِ»!
بَلْ باتَ ظَاهِرُ عِلْمِهِم بَيْنَ العَامَّةِ والخَاصَّةِ دَائِرًا في فَلَكِ المُصْطَلَحِ، لِذَا تَرَاهُم في مَيَادِيْنِ العِلْمِ بَيْنَ كَرٍّ وفَرٍّ بِيْنَ كُتُبِ مُصْطَلَحِ الحَدِيْثِ ابْتِدَاءً «بالبَيْقُوْنِيَّةِ»، ومُرُوْرًا «بنُخْبَةِ الفِكَرِ»، وانْتِهَاءً «بمُقَدِّمَةِ ابنِ الصَّلاحِ»([2])، ومَا حَامَ في فَلَكِهَا مِنْ شَرْحٍ ونَظْمٍ ونُكَتٍ واسْتِدْرَاكٍ وغَيْرَهَا مِنْ فُنُوْنِ مُصْطَلَحَاتِ الحَدِيْثِ وعُلُوْمِهِ .
ومَهْمَا يَكُنْ مِنْ خَيْرٍ في هَذَا؛ إلَّا أنَّهُ لا يَشْفَعُ لمَنْ رَامَ كُتُبَ المُصْطَلَحِ وعَاشَ في أكْنَافِهَا ووَقَفَ عِنْدَ بَابِهِا : أنْ يَتَقَمَّصَ دَوْرَ المُحَدِّثِيْنَ، فَضْلًا أنْ يُلَقَّبَ بالحَافِظِ أو يُدَانِيْهِ!
هَذَا مَا أرَدْتُهُ هُنَا، والإنْسَانُ لا يُعْرَفُ إلَّا بِمَا اشْتُهِرَ بِهِ وظَهَرَ، لِذَا كَانَ حَقًّا أنْ يُوْصَفَ مَنْ هَذِهِ حَالُهُم بالاصْطِلاحِيِّيْنَ لا بالمُحَدِّثِيْنَ، والله المُوَفِّقُ!
ونَحْنُ مَعَ هَذَا؛ فَإنَّنَا نَعِيْبُ ونُنْكِرُ على كُلِّ مَنْ قَضَى أكْثَرَ عُمُرِهِ في تَحْصِيْلِ عِلْمِ المُصْطَلَحِ، وهُوَ بَعْدُ لم يَأخُذْ حَظَّهُ مِنَ الاشْتِغَالِ مِنْ قِرَاءَةِ ودِرَاسَةِ كُتُبِ السُّنَّةِ ولاسِيَّما الكُتُبُ السِّتَّةُ، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ فَهْمِهَا وشَرْحِهَا واسْتِنْبَاطِ أحْكَامِهَا ... بَلْ لا أُبَالِغُ إذَا قُلْتُ إنَّ الطَّالِبَ لَوْ قَضَى أكْثَرَ عُمُرِهِ في قِرَاءَةِ كُتُبِ السُّنَّةِ المُدَوَّنَةِ واشْتَغَلَ بها قِرَاءَةً وشَرْحًا، وتَعَرَّفَ على رِجَالهَا جَرْحًا وتَعْدِيْلًا، ونَظَرَ في أقْوَالِ وأحْكَامِ أئِمَّةِ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ حَوْلهَا ... لمَا انْتَهَى أرَبُهُ، ولمَا بَلَغَ طَلَبُهُ، ولمَا أحَاطَ بكُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بالكُتُبِ السِّتَّةِ فَضْلًا عَنِ الإحَاطَةِ بدَوَاوِيْنِ السُّنَّةِ مِنْ صِحَاحٍ وسُنُنٍ ومَسَانِيْدَ ومَعَاجِمَ ومُصَنَّفَاتٍ وغَيْرَهَا، لِذَا كَانَ الأوْلى بطَالِبِ الحَدِيْثِ ألَّا يُغَلِّبَ جَانِبَ المُصْطَلَحِ على مَعْرِفَةِ ودِرَاسَةِ كُتُبِ السُّنَّةِ، لأنَّ عِلْمَ المُصْطَلَحِ وَسِيْلَةٌ، وعِلْمَ الحَدِيْثِ وفِقْهَهُ غَايَةٌ، فَافْهَمُ يَا رَعَاكَ الله!
الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ : أهْلُ التَّطْفِيْفِ([3])، أيْ أهْلُ الصِّنَاعَةِ الحَدِيْثِيَّةِ ممَّنْ اشْتَغَلَ بتَصْحِيْحِ الأحَادِيْثِ وتَضْعِيْفِهَا، مِنْ خِلالِ كُتُبِ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ، وكُتُبِ التَّخْرِيْجِ والتَّعْلِيْلِ .
وعَلَيْهِ؛ فَقَدَ خَرَجَ عَلَيْنَا مُؤخَّرًا طَوَائِفُ مِنَ المُنْتَسِبِيْنَ إلى الحَدِيْثِ لا قِبَلَ لَنَا بِهِم، ممَّنْ لَيْسَ لهُم مِنَ عُلُوْمِ الحَدِيْثِ إلَّا التَّصْحِيْحُ والتَّضْعِيْفُ، والحُكْمُ على الأحَادِيْثِ بكُلِّ جُرْاءَةٍ واجْتِرَارٍ، ولَيْسَ عَنَّا بَعْضُ طُلَّابِ الجامِعَاتِ وغَيْرُهُم ببَعِيْدٍ ممَّنْ تَصَدَّرَوا لمُحَاكَمَةِ الأحَادِيْثِ النَّبَوِيَّةِ والآثَارِ السَّلَفِيَّةِ دُوْنَ عِلْمٍ يُؤثَرُ، ولا فَهْمٌ يُذْكَرُ، اللَّهُمَّ أنَّهُم تَعَلَّمُوا قَوَاعِدَ الجَرْحِ والتَّعْدِيْلِ، وطُرُقَ التَّخْرِيْجِ والعَزْوِ في غَيْرِهَا مِنْ أبْجَدِيَّاتِ الصِّنَاعَةِ الحَدِيْثِيَّةِ .
يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ طَائِفَةً مِنَ الاصْطَلاحِيِّيْنَ ممَّنْ رَامَ التَّألِيْفَ قَدْ خَرَجُوا عَلَيْنَا مُؤخَّرًا بسَيْلٍ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي تَدْفَعُ بكُلِّ طَالِبٍ مُبْتَدِئ إلى مَعْرِفَةِ طُرُقِ التَّخْرِيْجِ والعَزْوِ، وكَيْفِيَّةِ الحُكْمِ على الأسَانِيْدِ، في غَيْرِهَا مِنَ الكُتُبِ الَّتِي لم يَكُنْ لهَا سَابِقَةٌ عِنْدَ سَلَفِنَا الصَّالِحِ مِنْ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ، الأمْرُ الَّذTweet


