شرح ابن أبي العز على الطحاوية

شرح الروض المربع للبهوتي

 
 
حقيقة أخلاق النصارى

حقيقة أخلاق النصارى

    
الكاتب : admincp    -    التاريخ : 2011-12-20    -    

بسْمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحِيْمِ

الحَمْدُ لله الَّذِي أغْنَى وأقْنَى، والَّذِي خَلَقَ فسَوَّى، والَّذِي قَدَّرَ فهَدَى، والَّذِي أمَاتَ فأحيَا، والَّذِي يَعْلمُ السِّرَّ وأخفَى .

والصَّلاةُ والسَّلامُ على الرَّسُولِ المُصْطَفى، والنَّبيِّ الخَاتَمِ المُجتَبى، وعلى آلِهِ الطَّاهِرِيْنَ الأتْقَياء، وعلى أصْحَابِهِ الصَّادِقِيْنَ الأوْلِيَاء، وعلى مَنْ اتَّبَعَ أثَارَهُم واقْتَفَى .

أمَّا بَعْدُ؛ فهَذَا جَوَابٌ مختصرٌ عن بَعْضِ الأسئلة الَّتي ورَدَتني من بَعْضِ الإخوة الأفاضلِ من بلادِ اسْكُتْلَندا، حَوْلَ بعضِ الأسئلةِ المشبوهةِ الَّتي يقْذفُها ضِعَافُ النُّفُوسِ وقَليلُو الإيمانِ، فكَانَ مِنْ هَذِهِ الأسْئِلَةِ مَا يلي :

1ـ أنَّنا نَجِدُ كثيرًا مِنَ الشُّعُوبِ النَّصْرانيَّةِ لاسِيَّما بَلادُ أورُوبَّا : أنَّهُم يتَّصِفُوْنَ ببَعْضِ الأخْلاقِ الحَسَنةِ : كالصِّدْقِ والأمَانَةِ والرَّحمَةِ والطِّيْبِ وغَيرهَا، فكَيْفَ نَجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الأخْلاقِ عِنْد الكُفَّارِ وبَيْنَ الآياتِ القُرْآنيَّةِ والأحَادِيْثِ النَّبويَّةِ المُحذِّرَةِ مِنَ التَّعامُلِ مَعَهُم، والدَّالَّةِ على أنَّهم أهْلُ كَذِبٍ وخِيَانَةٍ وحَسَدْ وكِبْرٍ؟

2ـ وهل نَفْهَم مِنْ هَذِهِ الآيةِ : «لتَجِدَنَّ أشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلذِينَ أمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِيْنَ أشْرَكُوا وَلتَجِدَنَّ أقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلذِينَ أمَنُوا الذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ» (المائدة : 82)، بأنَّ النَّصَارى أهلُ مَوَدَّةٍ وخَيْرٍ؟

3ـ وكيف نَجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الأخْلاقِ الحَسَنَةِ عِنْدَ الكُفَّارِ وبَيْنَ ما نَجِدُهُ مِنْ أخْلاقٍ سَيِّئةٍ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ هَذِهِ الأيَّامَ؟

الجَوَابُ : أقُوْلُ بالله مُسْتَعِيْنًا؛ اعْلَمْ أنَّ الجَوَابَ عَنْ هَذِهِ الأسْئِلَةِ يَحْتَاجُ إلى كَرَارِيْسَ كَثِيرةٍ، غَيْرَ أنَّني آثرتُ الاخْتِصَارَ هُنَا كي تَعُمَّ الفَائِدَةُ وتَظْهَرَ العَائِدَةُ، ولاسِيَّما أنَّنا نُخَاطِبُ بهَذِهِ الرِّسَالَةِ طَائِفَةً مِنَ المُثَقَّفِينَ مِنْ أبْنَاءِ المُسْلِمِينَ ممَّنْ لَيْسَ لهم عِلْمٌ شَرْعيٌّ، وقَدْ قِيْلَ : يَكْفِي مِنَ القِلادةِ مَا أحَاطَ بالعُنُقِ!

لأجْلِ هَذَا؛ فَقَد اخْتَصَرْتُ الإجَابَةَ عَنْ هَذِهِ الأسْئِلَةِ مِنْ خِلالِ عِدَّةِ أوْجُهٍ، مِنْهَا :

الوَجْهُ الأوَّلُ : اعْلَمْ أنَّ كُفَّارَ أوْرُوبَّا هَذِهِ الأيَّامَ على قِسْمِيْنَ : أوْرُبِّي جَاهلي، وأوْرُبِّي نَصْرَاني .

ـ فأمَّا الأوْرُبي الجَاهلي (العَلْماني)، فهُوَ الَّذِي لا عُلاقة لَهُ بدِيْنِ النَّصْرَانِيَّةِ، بَلْ نَجِدُهُ قَدْ تنَصَّلَ وتَنَكَّرَ لدِيْنَهِ؛ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُ عَنْ دينه شيئا، حتى إنَّ كثيرا منهم يكره أن يُنْسبَ إلى شيء من دِيْنِ الكَنِيْسَةِ (النَّصْرَانِيَّةِ) خَجلًا مِنْهُ وحَيَاءً، وذَلِكَ لأمُوْرٍ مِنْهَا : أنَّه عَلِمَ يَقِيْنًا أنَّ دِيْنَ النَّصْرَانِيَّةِ مُحرَّفٌ ومُشَوَّهٌ، وأنَّهُ أصْبَحَ أُلْعُوبةً في أيْدي رِجَالِ الدِّيْنِ عِنْدَهُم!

أو لأنَّهُ عَلِمَ أنَّ دِيْنَهُ الَّذِي عَرَفَهُ مِنْ خِلالِ الكَنِيْسَةِ والكُتُبِ المُحَرَّفَةِ : لا يَصْلُحُ أنْ يَكُوْنَ دِيْنًا رَبَّانيًّا ولا مَنْهَجًا للحَيَاةِ؛ لأنَّ فِيْهِ مِنَ المُغَالَطَاتِ والخُرَافَاتِ والتَّثْلِيْثِ ما يَضْحَكُ مِنْهُ العَاقِلُ .

وأصْحًابُ هَذَا القِسْمِ هُم أكْثَرُ النَّصَارَى اليَّوْمَ، لكنَّ أكثرَهُم لا يُفْصِحُ عَنْ هَذِهِ الحَقِيْقَةِ المُرَّةِ، كُلَّ ذَلِكَ مِنْهُم حَمِيَّةً لدِيْنِهِ، أو خَوْفًا على نَفْسِهِ، وهَؤلاءِ يُسَمَّوْنَ : بالعَلْمانِيِّيْنَ أو الدِّيْمُقْرَاطِيِّيْنِ!

فحَقِيْقَةِ دِيْنِ هَؤلاءِ الأوُرُبِّيِّيْنَ : هُوَ دِيْنُ الجَاهِلِيَّةِ، لا دِيْنَ النَّصْرَانِيَّةِ، لِذَا لَيْسَ لهُم مِنَ الدِّيْنِ النَّصْرانيِّ إلَّا الانْتِسَابِ لَيْسَ غَيْرَ .

ومَعَ هَذَا؛ فَهُم أيْضًا أقْرَبُ للحَقِّ مِنْ غَيْرِهِم لأنَّهُم كَفَرُوا بدِيْنِ الكَنِيْسَةِ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ التَّحْرِيْفِ والتَّخْرِيْفِ، والمُغَالَطَاتِ والمُنَاقَضَاتِ ممَّا لا يَقْبَلُهُ عَاقِلٌ ولا يُحْسِنُهُ قَائِلٌ!

ولأصْحَابِ هَذَا القِسْمِ : حَسَنَةٌ وسَيِّئَةٌ .

فأمَّا حَسَنَتُهُم : فَإنَّهم كَفَرُوا وخَرَجُوا مِنْ دِيْنِ الكَنِيْسَةِ المُحَرَّفِ!

وأمَّا سَيِّئَتُهُم : فإنَّهم لمَّا خَرَجُوا مِنْ دِيْنِ الكَنِيْسَةِ المُحَرَّفِ لم يَدْخُلُوا إلى دِيْنِ الإسْلامِ الحَقِّ، وهَذَا في حَدِّ ذَاتِهِ سِيِّئَةٌ لا تُغْفَرُ، وبَلِيَّةٌ لا تُشْكَرُ، وطَامَّةٌ ما بَعْدَهَا مِنْ طَامَّةٍ!

وخُلاصَةُ مَا هُنَا؛ أنَّ أصْحَابَ هَذَا القِسْمِ : هُم أقْرَبُ مَوَدَّةً للمُؤمِنِيْنَ، وأقْرَبُ أخْلاقًا للإسْلامِ، ومَا ذَاكَ إلَّا لكَوْنِهم قَدْ أقْبَلُوا بقُلُوْبٍ خَالِيَةٍ مِنْ كلِّ لَوْثَاتِ النَّصْرَانِيَّةِ المُحَرَّفَةِ، فعِنْدَهَا سَلِمَتْ لهُم الفِطْرَةُ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْهَا وذَلِكَ بقَدَرِ بُعْدِهِم عَنْ دِيْنِهم المُحَرَّفِ، لِذَا فَإنَّ الفِطْرَةَ السَّلِيْمَةَ هي أقْرَبُ مَوَدَّةً، وأسْرَعُ قَبُولًا للحَقِّ، لاسِيَّما في قَبُوْلِ دِيْنِ الإسْلامِ والأخْلاقِ الحَسَنَةِ والصِّفَاتِ الحَمِيْدَةِ .

لأجْلِ هَذَا؛ فَقَدْ اتَّسَم كَثِيرٌ مِنْ رِجَالِ الغَرْبِ اليَّوْمَ بشَيءٍ مِنَ الأخْلاقِ الحَسَنَةِ، الأمْرُ الَّذِي يَدْفَعُنَا ضَرُوْرَةً نَحْنُ (المُسْلِمِينَ) أنْ نَسْعَى جَاهِدِيْنَ في دَعْوَةِ أمْثَالِ هَؤلاءِ النَّصَارَى الَّذِيْنَ عِنْدَهُم شَيءٌ مِنْ تِلْكُمُ الأخْلاقِ، ومَا ذَاكَ إلَّا لأنَّهُم أقْرَبُ مَحبَّةً للحَقِّ، وأقْرَبُ مَوَدَّةً للمُؤْمِنِيْنَ مِنْ غَيْرِهِم، لمَا سيَجِدُونَهُ في دِيْنِ الإسْلامِ مِنْ حُسْنِ أخْلاقٍ، وطِيْبِ تَعَامُلٍ، وصِحَّةِ دِيْنٍ ومعتقدٍ ممَّا يُوَافِقُ الفِطْرَةَ والعَقْلَ!

ـ وأمَّا الأوْرُبِّي النَّصراني، فَهُوَ الَّذِي يَدِيْنُ بدِيْنِ النَّصْرَانِيَّةِ، ويُؤْمِنُ بِمَا في كُتُبِهِم، مَعَ عِلْمِهِ بأنَّ دِيْنَ الكَنِيْسَةِ عِنْدَهُم لا يَسْلَمُ مِنْ تَحْرِيْفٍ ومِنْ تَخْرِيْفٍ، الأمْرُ الَّذِي يَتَّفِقُ عَلَيْهُ عُقَلاءُ الغَرْبِ كَافَّةً، ولا يُنْكِرُ هَذَا إلّا مُكَابِرٌ قَدْ أعْمَاهُ هَوَاهُ!

ومَعَ هَذا؛ نَجِدُ أصْحًابَ هَذَا القِسْمِ هُم أكْثَرُ النَّصَارَى عَصَبِيَّةً وحمِيَّةً وهَوَىً وعَدَاءً للإسْلامِ والمُسْلِمِينَ، لِذَا نَجِدُهُم لا يَتْرُكُونَ لحْظَةً إلَّا ويَكِيْدُوْنَ فِيْهَا العَدَاءَ بالمُسْلِمِينَ، ولا يَتْرُكُوْنَ قَولًا ولا فِعْلًا يَسْتَطِيْعُوْنَهُ إلَّا وتَرَبَّصُوا بالمُسْلِمِينَ الدَّوَائِرَ والعَدَاءَ، فَهُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُم!

وأصْحًابُ هَذَا القِسْمِ هُم أقَلُّ الشُّعْوبِ الغَرْبِيَّةِ إلَّا أنَّهُم (للأسَفِ!) أكْثَرُ القَادَةِ والرُّؤسَاءِ وصُنَّاعِ القَرَارِ في بَلادِ الغَرْبِ، بَلْ لا تَجِدُ حَرْبًا ضِدَّ المُسْلِمِينَ إلَّا وتَجِدُ قَادَةَ الغَرْبِ ورَاءهَا قَلْبًا وقَالِبًا، فانْظُرْهُم في تَمْكِيْنِهِم لليَهُوْدِ في أرْضِ فِلِسْطِيْنَ، وانْظُرْهُم في حُرُوبِهِم البَرْبَرِيَّةِ في أفْغَانِسْتَانَ والعِرَاقِ والبُوسْنَةِ والهَرْسِكِ وكَشْمِيْرَ وغَيْرَهَا كَثِيْرٌ كَثِيْرٌ، كَما سَيأتي .

ولأصْحَابِ هَذَا القِسْمِ سَيِّئتَانِ .

فالأوْلى : أنَّهُم مُؤْمِنُوْنَ بدِيْنِ الكَنِيْسَةِ المُحرَّفِ، والثَّاني : أنَّهُم اتَّخذُوا دِيْنَ الإسْلامِ غَرَضًا للعَدَاءِ والكَيْدِ والقِتَالِ والظُّلْمِ!

فَهُم بهَذَا قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ اتَّخاذِ الكُفْرِ دِيْنًا وبَيْنَ تَرْكِ الإسْلامِ تَكْذِيبًا وإعْرَاضًا! فهُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُم قَاتَلَهُمُ الله أنَّى يُؤْفَكُوْنَ!، كَمَا قَالَ الله تَعَالى : «كَيْفَ وَإنْ يَظْهَرُوا عَليْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إلا  وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بآيَاتِ الله ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلًّا وَلا ذِمَّةً وَأولئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ (10) فَإنْ تَابُوا وَأقَامُوا الصَّلاةَ وَأتَوُا الزَّكَاةَ فَإخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلمُونَ (11) وَإنْ نَكَثُوا أيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهُمْ لا أيْمَانَ لهُمْ لعَلهُمْ يَنْتَهُونَ» (التوبة: 12) .

وخُلاصَةُ مَا هُنَا؛ أنَّ أصْحَابَ هَذَا القِسْمِ هُم أشَدُّ عَدَاوَةً للمُؤمِنِيْنَ، وأسْوَءُ أخْلاقًا مَعَ المُسْلِمِينَ، وما ذَاكَ إلَّا لكَوْنِهم قَدْ أقْبَلُوا بقُلُوْبٍ فَارِغَةٍ وأهْوَاءٍ بَاطِلَةٍ على دِيْنِ الكَنِيْسَةِ المُحَرَّفِ، فعِنْدَهَا نَصَبُوا العَدَاءَ للإسْلامِ والمُسْلِمِينَ! لِذَا فإنَّ غَالِبَ سِياسَةِ هَؤلاءِ تَكُوْنُ خَارِجِيَّةً خِلافًا للدِّيْمُقْراطِيِّيْنَ الَّذِيْنَ تَرْتَكزُ غَالِبُ سِيَاسَاتِهِم في الدَّاخِلِ .

وهَؤلاءِ يُسَمَّوْنَ : بالجَمْهُوْرِيِّيْنَ أو المُحَافِظِيْنَ!

* * *

الوَجْهُ الثَّاني : لا شَكَّ أنَّ بَعْضَ الأخْلاقِ الحَسَنَةِ مَوْجُوْدَةٌ عِنْدَ بَعْضِ الشُّعُوْبِ النَّصْرَانِيَّةِ، ولا يُنْكِرُ هَذَا إلَّا جَاهِلٌ بالوَاقِعِ، وقَدْ قَالَ الله تَعَالى : «ولا يَجْرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَوْمٍ على ألَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أقْرَبُ للتَّقْوَى» (المائدة: 8) .

وأمَّا قَوْلُهُ تَعَالى : «لتَجِدَنَّ أشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلذِينَ أمَنُوا اليَهُودَ وَالذِينَ أشْرَكُوا وَلتَجِدَنَّ أقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلذِينَ أمَنُوا الذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ» (المائدة : 82)، فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أنْ نَعْلَمَ : أنَّ المُفَاضَلَةَ في هَذِهِ الآيةِ بَيْنَ اليَهُوْدِ وبَيْنَ النَّصَارَى لم تَكُنْ مُفَاضَلةً مُطْلَقةً؛ بَلْ جَاءَ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُم على وَجْهِ التَّقْيِيْدِ، وهُوَ ما يُسَمَّى : بالتَّفَاضُلِ النِّسْبيِّ .

يُوضِّحُهُ؛ أنَّ نِسْبَةَ عَدَاوَةِ اليَهُوْدِ للمُؤمِنِيْنَ أكْبَرُ مِنْ عَدَاوَةِ النَّصَارَى، وكَذَا نِسْبَةُ مَوَدَّةِ النَّصَارَى للمُؤمِنِيْنَ أقْرَبُ مِنْ مَوَدَّةِ اليَهُوْدِ .

ويَدُلُّ على هَذِهِ النِّسْبِيَّةِ قَوْلُهُ تَعَالى : «أشَدُّ النَّاسِ ... وأقْرَبَهُم» الآيَةَ، فَهِي خَرَجَتْ على وَجْهِ أفْعَلِ التَّفضِيْلِ، بمَعْنى أنَّ بَيْنَهُم مُفَاضَلَةً في العَدَاوَةِ والمَوَدَّةِ، ولَيْسَ مَعْنَاهُ مُطْلقُ النَّفي فِيْما بَيْنَهُم مِنَ المُفَاضَلَةِ .

بمَعْنَى آخَرَ؛ أنَّ المُفَاضَلةَ إذَا وقَعَتْ بين خَيْرَيْنِ، فعِنْدَهَا تَكُوْنُ المُفَاضَلةُ بَيْنَ أجْزَاءِ الخَيْرِ دُوْنَ اعْتِبَارٍ للشَّرِّ، لِذَا فَقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الخَيْرَ يَتَفَاضَلُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ تَفَاضُلًا كَبِيْرًا، ومَعَ هَذَا فَهُم جَمِيْعًا على خَيْرٍ .

وكَذَا إذَا وَقَعَتِ المُفَاضَلةُ بَيْنَ شَرَّيْنِ، فعِنْدَهَا تَكُوْنُ المُفَاضَلةُ بَيْنَ أجْزَاءِ الشَّرِّ دُوْنَ اعْتِبَارٍ للخَيْرِ، لِذَا فَقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الشَّرَّ يَتَفَاضَلُ بَيْنَ اليَهُوْدِ والنَّصَارَى تَفَاضُلًا كَبِيْرًا، ومَعَ هَذَا فَهُم جَمِيْعًا على شَرٍّ .

كَمَا قَالَ تَعَالى : «غَيْرِ المَغْضُوْبِ عَلَيْهِم ولا الضَّالِيْنَ» الآيَةَ، فالمَغْضُوْبُ عَلَيْهِم هُمُ اليَهُوْدُ، والضَّالُّوْنَ هُمُ النَّصَارَى، وأدِلَّةُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ مَلِيْئَةٌ بوَصْفِ اليَهُوْدِ والنَّصَارَى : بالكُفْرِ والشِّرْكِ والفِسْقِ والظُّلْمِ والجُحُوْدِ والإعْرَاضِ والتَّكْذِيْبِ والنُّكْرَانِ والخُلْفِ والعِنَادِ والكِبْرِ والشَّرِّ والفَسَادِ والعَدَاءِ ... وغَيْرَها مِنْ صِفَاتِ الذَّمِّ والعَدَاءِ تُجَاهِ الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ .

وأكْبَرُ دَلِيْلٍ على مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا : هُوَ شاهِدُ التَّارِيْخِ، فمَنْ قَرَأ التَّارِيْخَ عَلِمَ يَقِيْنًا أنَّ اليَهُوْدَ والنَّصَارَى لم يَسْتأخِرُوا سَاعَةً وَاحِدَةً في عَدَاءِ وقِتَالِ وظُلْمِ وتَشْرِيْدِ المُسْلِمِينَ، كَما سَيَأتي بَيَانُه!

لِذَا؛ فَقَدْ بَاتَ عِنْدَ عَامَّةِ المُسْلِمِينَ أنَّ شرَّ وعَدَاءَ اليَهُوْدِ والنَّصَارَى للمُسْلِمِيْنَ ظَاهِرٌ ومُسْتَفِيْضٌ عَبْرَ التَّارِيْخِ القَدِيْمِ والحَدِيْثِ، بَلْ وُجُوْدُهُ مُنْذُ بُعِثَ النَّبيُّ ﷺ إلى يَوْمِنَا هَذَا، بَلْ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ، كَما قَالَ الله تَعَالى : «وَلنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلتَهُمْ قُل إنَّ هُدَى الله هُوَ الهُدَى وَلئِنِ اتَّبَعْتَ أهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلمِ مَا لكَ مِنَ الله مِنْ وَليٍّ وَلا نَصِيرٍ» البقرة: 120) .

وقَوْلُهُ تَعَالى : «كَيْفَ وَإنْ يَظْهَرُوا عَليْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ» (التوبة: 8) .

وقَوْلُهُ تَعَالى : «يَا أيُّهَا الذِينَ أمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لكُمُ الآيَاتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أنْتُمْ أولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتَابِ كُلِّهِ وَإذَا لقُوكُمْ قَالُوا أمَنَّا وَإذَا خَلوْا عَضُّوا عَليْكُمُ الأنَامِل مِنَ الغَيْظِ قُل مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ» (آل عمران: 120) .

وقَوْلُهُ تَعَالى : «مَا يَوَدُّ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الكِتَابِ وَلا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّل عَليْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَالله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ» (البقرة: 105) .

وقَوْلُهُ تَعَالى : «وَمِنْ أهْلِ الكِتَابِ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إليْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إليْكَ إلا مَا دُمْتَ عَليْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأنَّهُمْ قَالُوا ليْسَ عَليْنَا فِي الأمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ على الله الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلمُونَ» (آل عمران: 75)، وغَيْرَهَا كَثِيْرٌ جِدًّا .

* * *

الوَجْهُ الثالثُ : فإنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ وُجُوْدِ الشَّرِّ في بَعْضِ المَخْلُوْقَاتِ أنْ يَكُوْنَ هَذَا المَخْلُوْقُ خَالِيًا مِنْ أصْلِ الخَيْرِ!، لأنَّ الله تَعَالى لا يَخْلُقُ شَرًّا مَحْضًا، كَما قَالَ ﷺ : «والشَّرُ لَيْسَ إلَيْكَ» الحَدِيْثَ، فهَذَا إبْلِيْسُ اللَّعِيْنُ، الَّذِي هُوَ مَادَّةُ الشَّرِّ والفَسَادِ والظُّلْمِ إلَّا أنَّهُ مَعَ هَذَا لا يَخْلُو مِنْ خَيْرٍ، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ مَا يَتَرتَّبُ على أفْعَالِهِ مِنْ تَوْبَةِ التَّائِبِيْنَ، ومَعْرِفَةِ الصَّادِقِيْنَ، وتَمْيِيْزِ المُؤمِنِيْنَ مِنَ الكَافِرِيْنَ وغَيْرَهَا مِنَ الخَيْرِ الكَثِيْرِ .

ومَعَ هَذَا فنَحْنُ كمُؤمِنِيْنَ لا نَنْظُرُ إلى مَا يَتَرتَّبُ على بَعْضِ صُوَرِ الخَيْرِ الَّتِي هِيَ نَتَاجُ شَرِّ إبْلِيْسَ، بَلْ نَحْنُ مُطَالَبُوْنَ باتِّخَاذِ إبْلِيْسَ عَدُوًّا، وعَلَيْهِ يَجِبُ عَلَيْنَا أنْ نُحذِّرَ مِنْهُ صَبَاحَ مَسَاءَ .

فَإذَا عُلِمَ هَذَا، كَانَ وَاجِبًا عَلَيْنَا كمُسْلِمِيْنَ ألَّا نَقِفَ بأبْصَارِنَا عِنْدَ بَعْضِ الأخْلاقِ عِنْدَ بَعْضِ رِجَالِ الغَرْبِ، بَلْ نَحْنُ مُطالَبُوْنَ باتِّخاذِ اليَهُوْدِ والنَّصَارَى أعْدَاءً، وأنْ نُحَذِّرَ مِنْهُم، لأمُوْرِ كَما سَيَأتي بَيَانُها .

كَما قَالَ تَعَالى : «يَا أيُّهَا الذِينَ أمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لكُمُ الآيَاتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ» (آل عمران: 118) .

وقَالَ تَعَالى : «وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ لوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأمْرِهِ إنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (البقرة: 109) .

وقَالَ تَعَالى : «أمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ على مَا أتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ أتَيْنَا أل إبْرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَأتَيْنَاهُمْ مُلكًا عَظِيمًا» (النساء: 54)، وغيرها كثير جدا .

وقَالَ تَعَالى : «ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور» (آل عمران: 119) .

* * *

الوَجْهُ الرَّابعُ : أن ما يُظْهِرُهُ بَعْضُ النَّصَارَى مِنْ حُسْنِ أخْلاقٍ هَذِهِ الأيَّامَ لم يَكُنْ أكْثَرُهُ صَادِرًا عَنْ حَقِيْقَةٍ إيْمانِيَّةٍ، ولا نَابِعًا عَنْ عَدَالَةٍ إنْسَانِيَّةٍ، ولا حُبًّا للخَيْرِ، بَلْ كُانَتْ هَذِهِ الأخْلاقُ مِنْهُم بدَافِعِ التَّطبُّعِ الَّذِي ألِفُوهُ وتَعَوَّدُوه مُنْذُ وِلادَتِهم في بِلادِهِم .

يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ كَثِيرًا مِنْهُم قَدْ تَطبَّعَ بمِثْلِ هَذِهِ الأخْلاقِ مِنْ خِلالِ فَرْضِ القَوَانِيْنِ الصَّارِمَةِ والأنْظِمَةِ القَاسِيَةِ في بِلادِهِم، ومِنْ هُنَا خَضَعَتْ تَعَامُلاتُهم تَحْتَ الأنْظِمَةِ الوَضْعِيَّةِ الَّتي تَعُوْدُ عَلَيْهِم بالعُقُوْبَةِ على كُلِّ مُخالَفَةٍ عِنْدَهُم .

بمَعْنى أنَّ أحَدًا مِنَ النَّصَارَى لو أرَادَ أنْ يُخَالِفَ بَعْضَ هَذِهِ الأنْظِمَةِ والمُعَامَلاتِ سَوْفَ يَكُوْنُ عُرْضَةً للمُسَائَلَةِ والمُحَاكَمَةِ الَّتِي تَفْرِضُ عَلَيْهِ العُقُوْبَاتِ الجَزَائِيَّةَ والغَرَامَاتِ الماليَّةَ .

لِذَا تَجِدُ كَثِيرًا مِنْهُم مُتَقَيِّدًا بحُزْمَةٍ مِنَ الأخْلاقِ الَّتِي تَحْفَظُ لَهُ نَفْسَهُ ومَالَهُ، فمِنْ هُنَا تَظْهَرُ لَنَا حَقِيْقَةُ أخْلاقِ بَعْضِ النَّصَارَى المَزْعُوْمَةِ، وكَما قِيْلَ : إنَّ الله ليَزَعُ بالسُّلْطَانِ مَا لا يَزَعُ بالقُرْآنِ!

ويَزِيْدُ الأمْرَ وُضُوْحًا؛ هُوَ أنَّ أحَدَهُم لو أرَادَ أنْ يَكْذِبَ أو يَغُشَّ أو يُخالِفَ في بَيْعِهِ أو شِرَاءهِ أو تَعَامُلِهِ؛ سَوْفُ يَكُوْنُ عُرْضَةً للعُقُوْبَةِ الَّتِي يُقرِّرُهَا النِّظَامُ الوَضْعِيُّ لدَيْهِم!

وكَذَا مَنْ تَعَدَّى على حَقِّ الآخَرِيْنَ (مَاليًّا أو أخْلاقيًّا) سَوْفَ يَكُوْنُ عُرضَةً للعُقُوْبَةِ، وهَكَذَا في غَيْرِهَا مِنَ العُقُوْبَاتِ الَّتِي تَفْرِضُ على أتْبَاعِهَا التَّقْيِيْدَ بحُسْنِ التَّعَامُلِ، لِذَا نَجِدُ الوَاحِدَ مِنْهُم إذَا وَجَدَ بَابًا مِنَ الحَيْلُوْلَةِ على النِّظَامِ بحَيْثُ يَدْفَعُ عَنْهُ العُقُوْبةَ النِّظَامِيَّةَ؛ نَجِدُهُ والحَالَةُ هَذِهِ أشْبَهَ بالحَيْوَانِ المَسْعُوْرِ، لا ذِمَّةَ عِنْدَهُ، ورَحْمَةَ لَدَيْهِ، ولا صِدْقَ مَعَهُ .

لِذَا نَجِدُ رِجَالَ مَكَاتِبِ المُحَماةِ في بِلادِ الغَرْبِ كَادَتْ أنْ تَفُوْقَ أكَابِرَ مُجْرِمِيْهِم عَدَدًا، كُلَّ ذَلِكَ مِنْهُم كي يَفْتَحُوا لهُم بَابَ الحَيْلُوْلَةِ، ويَسْلَمَ لهُم عِنْدَهَا نِظَامُ العُقُوْبَةِ، فبِقْدَرِ حَصَافَةِ ودَهَاءِ وتَمرُّدِ المُحَامِيْنَ على النِّظَامِ؛ تَرْتَفِعُ مَكَانَةُ المُحَامي وتَزْدَادُ شُهْرَتُهُ لَدَى الشُّعُوبِ الغَرْبِيَّةِ!

يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الشُّعُوْبِ الغَرْبيَّةِ إذَا أمِنَ الوَاحِدُ مِنْهُم العُقُوْبَةَ أظْهَرَ حَقِيْقَةَ بَاطِنِهِ، وكَشَفَ حَقِيْقَةَ دَسَائِسِهِ وحِقْدِهِ وظُلْمِهِ وفَسَادِهِ وغَيْرِهَا مِنَ الأخْلاقِ السَّيِّئَةِ الَّتِي قَدْ تَأنَفُ مِنْهَا كَثِيْرٌ مِنَ الحَيْوَانَاتِ، ويَشْهَدُ لهَذَا المَثَلُ السَّائِرُ : مَنْ أمِنَ العُقُوْبَةَ أسَاءَ الأدَبَ!

وأدَلُّ شَيءٍ على تِلْكُمُ الأخْلاقِ السَّيِّئَةِ البَاطِنِيَّةِ، مَا حَصَلَ في بِلادِ الغَرْبِ مِنْ حُرُوْبِ في الدَّاخِلِ والخَارِجِ .

فأمَّا الحُرُوْبُ الدَّاخِلِيَّةُ : فَهِي الحُرُوْبُ الأهْليَّةُ والعَالميَّةُ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ النَّصَارَى عَبْرَ التَّارِيْخِ؛ بحَيْثُ كَانَتْ دَمَوِيَّةً وَحْشِيَّةً؛ لا رَحْمَةَ فِيْهَا ولا شَفَقَةَ، ولا إنْسَانِيَّةَ!

ومِنْ آخِرِ هَذِهِ الحُرُوْبِ بَيْنَ الشُّعُوْبِ النَّصْرَانِيَّةِ مَا حَصَلَ في الحَرْبَيْنِ العَالمِيَّتَيْنِ، حَيْثُ كَانَتْ أكْبَرَ مِثَالٍ للوَحْشِيَّةِ والإبَادَةِ الإنْسَانِيَّةِ، حَيْثُ مُسِخَتْ مِنُهُم الأخْلاقُ وتَبَدَّدَتْ عِنْدَهُم الأحَاسِيْسُ!

فقُلي برَبِّكَ : أيْنَ أخْلاقُهُم الحَسَنَةُ آنَذَاكَ؟!

أمَّا الحُرُوبُ الخَارِجِيَّةُ : فَهِي الحُرُوْبُ الَّتِي أقَامَهَا النَّصَارَى ضِدَّ المُسْلِمِينَ، عَبْرَ التَّارِيْخِ؛ بحَيْثُ كَانَتْ وَصْمَةَ عَارٍ في جَبِيْنِ الإنْسَانِيَّةِ مِنْ خِلالِ إزْهَاقِ الأرْوَاحِ البَريَّةِ، وإظْهَارِ الحِقْدِ الدَّفِيْنِ، فَلا رَحْمَةَ عَرَفُوْهَا، ولا شَفَقَةَ احْتَرَمُوْهَا، ولا إنْسَانِيَّةَ قَدَّرُوْهَا .

وإنْ أرَدْتَ شَيْئًا ممَّا كَسِبَتْهُ أخْلاقُ النَّصَارَى بالمُسْلِمِينَ، فدُوْنَكَ الحُرُوبَ الأخِيْرَةَ الَّتِي شَنَّتْهَا أورُوبَّا المُتَحضِّرَةُ! على بِلادِ المُسْلِمِينَ تَحْتَ ما يُسَمَّى : الحُرُوْبُ الصَّلِيْبِيَّةُ!

ومِنْ آخِرِهَا مَا نَرَاهُ ونَسْمَعُهُ ونُشَاهِدُهُ هَذِهِ الأيَّامَ مِنْ حُرُوْبٍ بَرْبَرِيَّةٍ وَحْشِيَّةٍ إبَادِيَّةٍ دِكْتَاتُورِيَّةٍ في بِلادِ فِلِسْطِيْنَ وأفْغَانِسْتَانَ والبُوْسنَةِ والهِرْسِك والعِرَاقِ وغَيْرِهَا مِنْ بِلادِ المُسْلِمِينَ؛ بِحَيْثُ لم يَرْحَمُوا صَغِيْرًا ولا كَبِيرًا ، ولا طِفْلًا ولا امْرَأةً، بَلْ لم تَكُنْ لهُم مِنَ الأخْلاقِ إلَّا لُغَةُ الإبَادَةِ والقَتْلِ والتَّشْرِيْدِ!

فقُلِّي برَبِّكَ : أيْنَ أخْلاقُ أوُروبَّا المُتَحَضِّرَةِ هَذِهِ الأيَّامَ؟!

* * *

الوَجْهُ الخامسُ : أنَّ ظُهُوْرُ هَذِهِ الأخْلاقِ عِنْدَ بَعْضِ النَّصَارَى لم تَكُنْ على إطْلاقِهَا، بَلْ هَذِهِ الأخْلاقُ قَدْ نَجِدُهَا عِنْدَ بَعْضِهِم لا كُلِّهِم، بخِلافِ المُسْلِمِينَ فَإنَّ الأخْلاقَ السَّيِّئَةَ هِي عِنْدَ بعْضِهِم لا كُلِّهِم، والعِبْرَةُ بالكَثْرَةِ لا بالقِلَّةِ .

والعِبْرَةُ أيْضًا في أصْلِ أخْلاقِ الإسْلامِ، لا في أخْلاقِ المُسْلِمِينَ، فَأصْلُ الأخْلاقِ في الإسْلامِ هِي أجْمَلُ وأكْمَلُ وأفْضَلُ وأتَمُّ وأعْظَمُ وأرْوَعُ وأصْفَى وأطْهَرُ الأخْلاقِ مُنْذُ خَلَقَ الله البَشَرِيَّةَ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ، ولا يُنْكِرُ هَذَا إلَّا بَغِيْضٌ حَسُوْدٌ .

وذَلِكَ بخِلافِ أصْلِ أخْلاقِ اليَهُوْدِ والنَّصَارَى مَعَ المُسْلِمِينَ، فَأصْلُ أخْلاقِهِم الحِقْدُ والحَسَدُ والغَدْرُ والخَدِيْعَةُ والكِبْرُ والظُلْمُ والاسْتِهْزَاءُ والقَتْلُ والظُّلْمُ ... إلخ .

فكَيْفُ إذَا كَانَ أصْلُ الكُفَّارِ شَرًّا، وأصْلُ أخْلاقِهِم شرًّا؟ فَشرٌّ على شَرٍّ، وظُلْمٌ على ظُلْمٍ! «ظُلُماتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ» الآيةَ .

وأمَّا دَعْوَى أنَّ كَثِيرًا مِنْ أخْلاقِ المُسْلِمِينَ اليَّوْمَ سِيِّئَةٌ، فلَيْسَ كَذَلِكَ، لأنَّ المُسْلِمَ اليَّوْمَ أحَدُ رَجُلَيْنِ :

إمَّا أنْ يَكُوْنَ مُسْلمًا مُتَعَلِّمًا مُثَقَّفًا عَارِفًا بدِيْنِهِ وأخْلاقِهِ، وإمَّا أنْ يَكُوْنَ جَاهِلًا بدِيْنِه غَافِلًا عَنْ أخْلاقِ إسْلامِهِ .

فالأوَّلُ مِنْهُما : هُم أهْلُ العِلْمِ وطُلَّابِهِ، وأهْلُ الصَّلاحِ والتَّقْوَى مِنَ القُضَاةِ والفُقَهَاءِ والخُطَبَاءِ والدُّعَاةِ وغَيْرِهِم، فهَؤلاءِ هُم نُجُوْمُ الأرْضِ وزِيْنَةُ التَّارِيْخِ، ممَّنْ يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في الأخْلاقِ الحَسَنَةِ، ولا شَكَّ .

وأمَّا الثَّاني مِنْهُم : فَهُم أهْلُ الجَهْلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهَؤلاءِ للأسَفِ هُم أكْثَرُ المُسْلِمِينَ اليَّوْمَ، لاسِيَّما مُسْلِمُو بِلادِ الهِنْدِ والسِّنْدِ وشَرْقِ آسِيَا وبِلادِ إفْرِيقِيَا السَّوْدَاءِ في الجُمْلَةِ، لِذَا كَانَتْ الأخْلاقُ الإسْلامِيَّةُ الصَّحِيْحَةُ فِيْهِم قَلِيْلَةً، لجَهْلِهِم بدِيْنِهِم، وشِدَّةِ فَقْرِهِم، لا غَيْرَ .

والقَاعِدَةُ العَقْلِيَّةُ : هِيَ أنَّ العِبْرَةَ بالإسْلامِ لا بالمُسْلِمِينَ، وإلَّا كَانَ هَذَا إلْزَامًا لَنَا على أهْلِ الكُفْرِ مِنَ الأورُوبِّيْينَ وغَيْرِهِم .

يُوَضِّحُهُ؛ أنَّنا إذَا اتَّهمْنَا الإسْلامَ مِنْ خِلالِ جَهْلِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ وسُوْءِ أخْلاقِهِم، كَانَ لِزَامًا عَلَيْنَا أنْ نتَّهِمَ دِيْنَ النَّصْرَانِيَّةِ الصَّحِيْحِ، لأنَّ أخْلاقَ الغَرْبَ اليَّوْمَ لا تُمثِّلُ عُشْرَ مِعْشَارِ دِيْنِ النَّصْرَانِيَّةِ الَّذِي جَاءَ بِهِ عِيْسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَكَذَا تَكُوْنُ القَاعِدَةُ طَرْدًا، هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ أكْثَرَ قَسَاوِسَةِ النَّصَارَى اليَّوْمَ هُمْ أسْوَءُ النَّاسِ أخْلاقًا، وأفْسَدُهُم اعْتِقَادًا، ومَنْ أرَادَ حَقِيْقَةَ ذَلِكَ فلْيَقْرَأ كُتُبَ فَضَائِحِ الكَنِيْسَةِ  .

فَإذَا أرَدْتَ أخِي المُسْلِمُ أنْ تَعْرِفَ اليَّوْمَ حَقِيْقَةَ أخْلاقِ أهْلِ الكُفْرِ اليَّوْمَ ، ومَا وَصَلَتْ إلَيْهِ حَضَارَتُهُم، فانْظُرْهُم بحَوَاسِكَ الخَمْسَةِ فِيْمَا يلي :

في تَحْرِيْقِ اليَابَانِ، وقَتْلِ وتَجْوِيْعِ الفِتْنَامِ، وإبَادَةِ شَعْبِ البُوْسنَةِ والهِرْسِكِ، واحْتِلالِ وقَتْلِ وتَشْرِيْدِ مَلايِيْنِ الأفْغَانِ، واحْتِلالِ وهَلاكِ شَعْبِ العِرَاقِ، وقَتْلِ وحِصَارِ وتَشْرِيْدِ الفِلِسْطِيْنِيِّيْنَ، ودَمَارِ وقَتْلِ اللَّبْنَانِيِّيْنَ، ونَهْبِ وسَرِقَاتِ ثَرَوَاتِ بِلادِ المُسْلِمِينَ، وسِجْنِ المُجَاهِدِيْنَ ... بَلْ كُلُّ بَلِيَّةٍ أو رَزِيَّةٍ حَلَّتُ بالبَشَرِيَّةِ اليَّوْمَ فَهِي ممَّا كَسِبَتْهُ أيْدِي أهْلِ الكُفْرِ لاسِيَّما السَّاسَةُ مِنْهُم ورِجَالُ الكَنِيْسَةِ لدَيْهِم .

ومِنْ بَقَايَا فَضَائِحِ عُلُوْمِهِم وحَضَارَتِهِم : صِنَاعَةُ الأسْلِحَةِ الفَتَّاكَةِ، والقَنَابِلِ المُدَمِّرَةِ، والغَازَاتِ السَّامَّةِ، والطَّائِرَاتِ والدَّبَّابَاتِ والبَارِجَاتِ العُدْوانِيَّةِ ... بَلْ كُلُّ حَرْبٍ أو قِتَالٍ حَلَّ بالبَشَريَّةِ اليَّوْمَ فَهُم صُنَّاعُهُ ومُدبِّرُوهُ!

بَلْ لم تَزَلْ عُلُوْمُهُم تَتَأجَّجُ وتُحَاكُ في مُخْتَبَراتِهِم زِيَادَةً في صِنَاعَةِ أسْلِحَةِ الدَّمَارِ الشَّامِلِ، والغَازَاتِ السَّامَّةِ القَاتِلَةِ!

وهُم مَعَ هَذَا التَّبجُّحِ والتَّعَاظُمِ والتَّعالي في مَعْرِفَةِ هَذِهِ العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ، نَجِدُهُم والحَالَةُ هَذِهِ لم يَعْرِفُوا الله تَعَالى، ولم يَعْرِفُوا رَحْمَةَ الإنْسَانِيَّةِ، بَلْ نَجِدُهُم قَدْ ضَيَّعُوا حُقُوْقَ أنْفُسِهِم وزَوْجَاتِهم وأبْنَائِهِم، فَضْلًا عَنْ ضَيَاعِ حُقُوْقِ غَيْرهِم، وذَلِكَ بسَبَبِ الفَسَادِ الخُلُقِي والشُّذُوْذِ الفِكْري الَّذِي تُمَارِسُهُ أوْرُوبَّا في مُجْتَمَعَاتهَا وفي شُؤونِ حَيَاتِهَا :

فالابنُ لا يَسْتَطِيْعُ أنْ يَتَحَقَّقَ مِنْ طُهْرِ نَسَبِهِ، والزَّوْجُ لا يَسْتَطِيْعُ أنْ يَصُوْنَ فِرَاشَه أو يَحْفَظَ زَوْجَتَهُ، والبِنْتُ لا تَسْتَطِيْعُ أنْ تَحْفَظَ عِفَّتَها في عُقْرِ دَارِهَا فَضْلًا عَنْ خَارِجِهِ، فالكُلُّ يحكُمُهُ نِظَامٌ وقَانُونٌ يَحْفَظُ لهُمُ التَّمرُّدَ على الأدَّيَانِ والأخْلاقِ!

فالأبُ لا يَسْتَطِيْعُ أنْ يَحْكُمَ ابْنَهُ أو ابْنَتَهُ إذَا بَلَغا السِّنَّ القَانُوني (الخَامِسَةَ عَشَر)، كَما لا يَسْتَطِيْعُ أنْ يَكُوْنَ سَيِّدًا مُطَاعًا عِنْدَ زَوْجَتِهِ، فالكُلُّ لَهُ حُرِّيَّتُهُ الخَاصَّةُ في الكُفْرِ والفَاحِشَةِ والفَسَادِ، فَأيْنَ حِيْنَئِذٍ الحَضَارَةُ الأوُرُوبِيَّةُ؟ وأينَ التَّقَدُّمُ العِلْميُّ؟ بَلْ أينَ فُرُوْخُ الغُرْبِ عن هَذِهِ الحَقَائِقِ المَكْشُوْفَةِ؟

قَالَ تَعَالى عَنْهُم : «أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هُمْ إلَّا كَالأنْعَامِ بَل هُمْ أضَلُّ سَبِيلًا» (الفرقان: 44) .

أمَّا نِسْبَةُ حَالاتِ الاغْتِصَابِ والاخْتِطَافِ والسَّرِقَاتِ والقَتْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جَرَائِمِ الفَسَادِ، فَشَيءٌ لا يُصَدِّقُهُ العَقْلُ، بَلْ لا تَعْرِفُهُ البَشَرِيَّةُ مُنْذُ أنْ خَلَقَ الله الإنْسَانَ إلى يَوْمِنَا هَذَا، فنِسْبَةُ الجَرَائِمِ عِنْدَهُم لا يَسْتَطِيْعُوْنَ حِسَابَهَا  إلَّا عَنْ طَرِيْقِ لُغَةِ الأرْقَامِ، بَلْ إنَّ الأرْقَامَ قَدْ تَعْجَزُ عَنْ حِسَابهَا وإحْصَائِهَا، لِذَا نَجِدُهُم يَحْسِبُوْنَها في زَمَنِ الثَّانِيَةِ والدَّقِيْقَةِ!

فهَلْ بَعْدَ هَذَا يُرْجَى مِنْهُم خَيْرٌ كَبِيرٌ، أو خُلُقٌ مُسْتَنِيرٌ؟!

أمَّا انْتِشَارُ الأمْرَاضِ المُسْتَعْصِيَةِ والفَاتِكَةِ فَشَيءٌ آخَرُ تَحارُ عِنْدَهُ العُقُوْلُ وتَعْجَزُ عِنْدَهُ المُسْتَشْفَيَاتُ العَالمِيَّةُ والتَّقَدُّمُ الطِّبيُّ!

ومِنْ أسَفٍ أنَّهُم جَعَلُوا مِنْ بَعْضِ بِلادِ المُسْلِمِينَ؛ لاسِيَّما إفْرِيْقِيَا مَعْمَلًا للتَّجَارُبِ في التَّطْعِيماتِ مِنَ الإيدزِ وغَيْرِهِ مِنَ الأمْرَاضِ الخَطِيْرَةِ .

نَعَم؛ فهَذِهِ لُغَةُ الأرْقَامِ الحَقِيْقِيَّةِ الَّتِي تُصَوِّرُ لَنَا وَاقِعَ أخْلاقِ الغَرْبِ بكُلِّ فَسَادِهِ الأخْلاقِي وشُذُوْذِهِ الاجْتِماعِي، فَهَلْ مِنْ رَجُلٍ رَشِيْدٍ؟!

ومِنْ أعْظَمِ فَسَادِهِم، وأكْبَرِ ظُلْمِهِم، وأسْوَءِ أخْلاقِهِم : سُوْءُ أخْلاقِهِم مَعَ الله تَعَالى، وسُوْءُ تَعَامُلُهِم مَعَ الأنْبِيَاءِ، ولاسِيَّما نَبِيُّنا محَمَّدٌ ﷺ!

أبَعْدَ هَذَا نَرْجُو مِنْهُم خَيْرًا فِيْما يدَّعُونَهُ مِنْ حُسْنِ أخْلاقٍ هَذِهِ الأيَّامَ؟ لا ولا، بَلْ حَقِيْقَةُ أخْلاقِهِم نِفَاقٌ وشِقَاقٌ، يُوَضِّحُهُ مَا سَيَأتي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ الله .

إنَّ حَقِيْقَةَ الأمْرِ؛ أنَّ كَثِيرًا مِنْ عَامَّةِ النَّصَارَى فِيْهِم حِقْدٌ على المُسْلِمِينَ، كَما فِيْهِم حَسَدٌ وكِبْرٌ وازْدِراءٌ وتَحْقيرٌ وتَجهِيلٌ بعُمُوْمِ المُسْلِمِينَ، ابْتِدَاءً بالنَّبيِّ ﷺ، وانْتِهَاءً بالعَرَبِ، ولا يُخالِفُ هَذَا إلا جَاهِلٌ أو مُعَانِدٌ .

* * *

الوَجْهُ السَّادِسُ : فَإنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّ الإنْسَانَ الغَربيَّ لم يَنْسَلِخْ مِنْ جَمِيْعِ الأخْلاقِ والصِّفَاتِ الحَمِيْدَةِ، بَلْ نَجِدُ في بَعْضِ رِجَالِ الغَرْبِ مِنَ الصِّفَاتِ مَا لَيْسَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ هَذِهِ الأيَّامَ، مِثْلُ : الصِّدْقِ والأمَانَةِ والوَفَاءِ بالوُعُوْدِ، وعَدَمِ التَّدَخُّلِ في شُؤونِ الآخَرِيْنَ، بَلْ نَجِدُ الوَاحِدَ مِنْهُم لا يَشْتَغِلُ غَالبًا إلَّا بنَفْسِهِ وحَالِهِ وعِمْلِهِ!

قُلْتُ : لا شَكَّ أنَّ تِلْكُمُ الصِّفَاتِ الحَمِيْدَةَ الَّتِي ذَكَرْتُم مَوْجُوْدَةٌ ومَلْمُوْسَةٌ اليَّوْمَ في غَالِبِ أهْلِ الكُفْرِ وأخُصُّ مِنْهُم بِلادَ أورُوبَّا، إلَّا أنَّنا قَدْ نَخْتَلِفُ مَعَكُم في هَذِهِ النَّظْرَةِ وهَذِهِ الدَّعْوَى في شَيءٍ مِنَ التَّفْصِيْلِ، يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ الصِّدْقَ والأمَانَةَ ونَحْوَهَا ممَّا ذَكَرْتُم، لم تَكُنْ عِنْدَ رِجَالِ الغَرْبِ صِفَاتِ صِدْقٍ في نَفْسِهَا، ولا صِفَاتِ مَحْمَدةٍ في طَبْعِهَا؛ بَلْ هِيَ أخْلاقٌ اعْتِبَارِيَّةٌ نَفْعِيَّةٌ لهَا أحْوَالُها وظُرُوْفُهَا لا يَحْكُمُهَا دِينٌ ولا مَبْدأ، اللَّهُمَّ إنَّها وَسِيْلَةٌ لغَايَةِ عِمَارةِ الأرْضِ، وتَشْيِيْدِ حَضَارَتِهَا، وتَلْبِيَةٌ لرَغَبَاتِ النُّفُوْسِ وشَهَواتِها، لَيْسَ غَيْر .

وبمَعْنىً آخَرَ: أنَّها مِنْ وَسَائلِ تَحْصِيْلِ الدِّرْهَمِ والدِّيْنَارِ، وتَحْقِيْقِ الشَّهَوَاتِ والمَلَذَّاتِ، وغَيْرَهَا مِنَ الأشْيَاءِ الَّتِي يَعْبُدُونَها مِنْ دُوْنِ الله تَعَالى .

وبمَعْنًى آخَرَ : أنَّ الرَّجُلَ الغَربيَّ بجُمْلَةِ هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَتَحَلَّى بِهَا أشْبَهَ ما يَكُوْنُ بآلَةٍ صَمَّاءَ يُسَتعانُ بِهَا في الحُصُوْلِ على جَمْعِ الأمْوَالِ، وتَحْقِيقِ الشَّهَوَاتِ، شَأنُها شَأنُ أدَوَاتِ وآلاتِ البِنَاءِ المِعْمَارِيِّ، مِثْل المِطْرَقَةِ والفَأسِ والمِحْرَاثِ وغَيْرِهَا مِنْ آلاتِ البِنَاءِ .

يُوَضِّحُه<

التعليقات ( 0 )
الإسم الكريم :

بريدك الإلكتروني :

موقعك الإلكتروني :